بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيْدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ وبعد... فنبدأ بسم الله عز وجل وفضله في شرح الدروس المتعلقة بمادة تاريخ التشريع الإسلامي، فالدرس الأول في هذه المادة هو التعريف بالتشريع الإسلامي وبيان أنواعه وحاجة الناس إلى التشريع.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
الإنسان مخلوق لله عز وجل، ومكلف بتكاليف شرعية، وهو كائن اجتماعي بطبيعته له حاجات متعددة باستمرار واستقرار حياته، وقد تتعارض حاجته مع حاجات الآخرين، ولذا كان بحاجة إلى تشريع ينظم علاقته بخالقه وعلاقته بمجتمعه.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
والسؤال ما المراد بالتشريع؟ وما الفرق بينه وبين الشريعة؟ التشريع والشريعة وكذا الشرع كلها مترادفات، يراد بها ما سنه الله - عز وجل - لعباده من أحكام عقدية، كوجود الله - عز وجل - ووحدانيته، وإرسال الرسل وصدقهم، والقضاء والقدر والموت والنشور الثواب والعقاب والجنة والنار إلى آخره، وكذا الأحكام الخلقية كالصدق والأمانة والكرم والشجاعة وغير ذلك من مكارم الأخلاق، التي يجب على المسلم أن يتصف بها، وتلك التي يجب عليه البعد عنها كالكذب والخيانة والبخل، وكذلك الأحكام العملية، وهي تلك الأحكام المتعلقة بعمل الجوارح، كالعبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج، والمعاملات كالبيوع والجنايات والحدود.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
كل هذا يدخل تحت الشريعة والشرع والتشريع في الأصل، إلا انه شاع في العصور الحديثة إطلاق لفظي الشريعة والتشريع على هذا النوع الأخيرن يعني الأحكام العملية، وهي الأحكام التي يطلق عليها الأحكام الفقهية، حتى سميت الكليات التي تعنى بدراسة وتدريس هذه المواد بكليات الشريعة، كما هو في جامعة الأزهر، بينما تسمى الكليات التى تعنى بدراسة أحكام العقيدة والأخلاق بكليات أصول الدين، مع أن هذه الموضوعات تدخل تحت الشريعة كما سبق بيانه.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
وعلى هذا الإطلاق المعاصر يكون التشريع أخص من الشرع، حيث يبقى الشرع على معناه العام شاملًا لكل ما شرعه الله - عز وجل - لعباده، بينما يختص التشريع بالأحكام العملية فقط، إذن فالتشريع يختص بالأحكام العملية أي بالأحكام المتعلقة بعمل الجوارح، ولا يدخل تحته على الإطلاق المعاصر تلك الأحكام المتعلقة بالعقيدة أو تلك الأحكام المتعلقة بالأخلاق، وهذا الإطلاق المستحدث لا يغير من مفهوم الشريعة أو التشريع وكذا الشرع إلا في مجال الدراسة والتصنيف فقط.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
سؤال:- إذا كانت التشريع يراد به الأحكام العملية أي الفقه في مجال الدراسة والتصنيف، فما المراد بتاريخ التشريع، وهو الموضوع أو هو المقرر الذي نتعرض لدراسته؟ تاريخ التشريع:- هو علم يبحث فيه عن أحوال التشريع الإسلامي في عصر الرسالة وما بعده من العصور، من حيث تعيين الأزمنة التي أنشئ فيها، ومصادره التي يستقى منها، وطرقه وسلطته وما طرأ عليها من أحوال المجتهدين وأثرهم في التشريع، أي انه علم يعنى بحالة التشريع الإسلامي كيف ومتى بدأ وكيف تطور منذ عصر الرسالة إلى وقتنا هذا.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
وهنا يظهر تساؤل آخر، إذا كان التشريع الإسلامي يعنى بدراسة حالة التشريع من بدايته إلى عصرنا، فهل هو نوع واحد أما أن له أكثر من نوع؟ وما هى تلك الأنواع.؟ للتشريع نوعان التشريع بصفة عامة ينقسم إلى نوعين:-

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(النوع الأول):- هو التشريع الديني أو التشريع الإلهي:- ويقصد بهذا النوع من التشريع كل ما جاء به الرسل من عند ربهم تكليفًا لخلقه، ينبني عليه الوصف بالطاعة أو المعصية، وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب، هذا هو التشريع الديني أو التشريع الإلهي، وربما يطلق عليه التشريع السماوي.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(والنوع الثاني):- التشريع الوضعي، ويقصد به مجموعة الأسس والقوانين التي وضعها القائمون على أمور الرعية من عند أنفسهم؛ طلبا لضبط أمور الرعية، ويلاحظ هنا قيد مهم، حين نقول من عند أنفسهم، حتى لا يدخل في التشريع الوضعي الأحكام الشرعية الناتجة عن اجتهاد الفقهاء، فهي من التشريع الديني؛ لأنها ليست صادرة من عند الفقهاء، أي من أنفسهم أو من خبرتهم، وإنما هي من مصادر التشريع الديني، بخلاف التشريع الوضعي فهو من عند البشر أنفسهم؛ اعتمادًا على خبرتهم وحكمتهم وتقديرهم لما يحقق المصلحة.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
والذي نعنى بدراسته في تاريخ التشريع هو التشريع الإسلامي خاصة، أي ندرس نوعًا واحدًا وهو التشريع الديني وبخاصة التشريع المتعلق بالشريعة الإسلامية. إذن فما أهم الفروق بين التشريع الإلهي أو الديني و التشريع الوضعي؟يوجد الكثير من الفروق بين التشريعين:-

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
أهم هذه الفروق أن التشريع الديني من عند الله - عز وجل - فهو المشرع الحقيقي، ولا يعني هذا أن جميع الأحكام التي في التشريع الديني بالضرورة من عند الله - عز وجل - مباشرة، بل هو يشمل ما صدر عن الله - عز وجل - في كتابه، ويدخل فيه ما صدر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أحكام سواء كانت من اجتهاده أو كانت يوحى إليه بها، وكذا ما صدر عن مجتهدي الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء، كل هذا يدخل في التشريع الديني، أما ما كان من عند الله مباشرة فهو واضح، وما كان من عند الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو صادرًا عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومصدره الوحي فهو واضح أيضًا، إنما ما صدر من اجتهاد من الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو الصحابة أو غيرهم من الفقهاء - رضوان الله على الجميع - فكيف يكون من التشريع الديني أو من التشريع السماوي؟

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
يكون التشريع الصادر عن المجتهدين من التشريع الديني؛ لأن المجتهد يستنبط الحكم من القرآن وما تفرع عنه من مصادر كالسنة والإجماع والقياس، أي هو يرتبط بأدلة مصدرها الدين، مصدرها القرآن وهو من عند الله - عز وجل - وسنة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي من عند الله - عز وجل - أيضًا سواء كانت مباشرة أو بواسطة اجتهاده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مصداقًا لقوله - تبارك وتعالى:- "{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}، وكذلك الأحكام الصادرة عن الإجماع، لأن الإجماع دل عليه القرآن والسنة النبوية، والقياس؛ لأنه يستدل عليه أيضًا بالقرآن والسنة والإجماع.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثانيا:- التشريع الديني تشريع صالح لكل زمان ومكان، منذ نزوله، ومنذ بدايته إلى أن تقوم الساعة؛ لأنه من عند خالق الزمان وخالق المكان، والإنسان وهو المقصود بالأحكام الله عز وجل هو خالقه، وهو أعلم بما يصلح شأنه ويصحح أمره، بخلاف التشريع الوضعي، فقد يصلح لزمان ولا يصلح لزمان آخر في نفس المكان، وقد يصلح لمكان فى زمان ولا يصلح لمكان آخر في نفس هذا الزمان، لاختلاف الأعراف واختلاف ما يضبط حال الناس من بلد إلى بلد في ذات الزمان، لاختلاف طبائع الناس وعاداتهم ومستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسلوكية وغير ذلك.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
والتشريع الوضعي كما قلنا هو تتشريع يعتمد على تقدير الحكماء والخبراء، وتقديرهم ناتج عن الخبرة، والخبرة ناتجة عما يمارسه أهل المكان في ذات الزمان، وقد تتغير من زمان إلى زمان فما يضعه في زمان يصلح له، ولكنه لا يصلح لزمان آخر، وما وضعوه لهم في مكان لا يصلح لمكان آخر في نفس هذا الزمان.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثالثا:- التشريع الديني تشريع يثيب الطائع على طاعته، وهو في ذات الوقت يعاقب العاصي على معصيته، بخلاف التشريع الوضعي فهو تشريع يعاقب فقط، ولا مجال فيه للثواب، إذن فالتشريع الديني أعم في هذه النقطة.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
رابعا:- العقاب في التشريع الديني دنيوي وأخروي، أما الدنيوي فإنه يتمثل في إقامة الحد على مرتكب موجبه أو القصاص على القاتل أو الدية وغير ذلك من العقوبات، هذا عقاب دنيوي، وعقاب أخروي وهو العقاب من الله - عز وجل - إن لم يبرأ من جريمته قبل الموت في الدنيا بعقاب أو بتوبة، أما التشريع الوضعي فهو تشريع دنيوي أي أن العقوبة فيه من نوع واحد، فالتشريع الديني أعم من حيث العقوبة؛ لأن فيه عقابًا دنيويًّا وعقابًا أخرويًّا.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
خامسًا:- التشريع ديني تشر يع ينظم علاقة الفرد بخالقه، وذلك في أبواب العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج، فهذه الأبواب مقصودها تنظيم علاقة الفرد بخالقه - عز وجل - وهو في ذات الوقت له مقصد آخر، فهو ينظم علاقة الفرد بمجتمعه، وهذا في قسم المعاملات من البيوع والإيجارة والإعارة والهبة، وإذا نتج عن هذا خلاف أو نزاع، فإنه ينظمها بالعقوبات الموجودة في الحدود والقصاص وعقوبات التعازير، إذن فهو ينظم نوعين من العلاقة علاقة الفرد بالخالق وعلاقة الفرد بالمجتمع، بخلاف التشريع الوضعي، فهو تشريع مقصوده تنظيم علاقة الفرد بمجتمعه، ولا علاقة له بعلاقة الفرد بخالقه، فالتشريع الوضعي في باب تنظيم العلاقات أعم من التشريع الديني في باب تشريع العلاقات أعم من التشريع الوضعي.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
سادسا:- العدالة في التشريع الديني عدالة مطلقة، فهو لا يفرق بين غني وفقير وشريف ووضيع، فالكل إمام التشريع سواء، أما التشريع الوضعي فكثيرًا ما يشوبه الخلل في التطبيق، ويدخله الهوى والميل.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
سابعًا:- لا إمكان لمجرم في ظل التشريع الديني من الإفلات بجريمته من العقاب، وذلك لما سبق بيانه من أن التشريع الديني يوجد فيه نوعان من العقوبة عقوبة دنيوية وعقوبة أخروية، عقوبة الدنيا كإقامة الحد على الزاني وشارب الخمر والقاذف وقطع يد السارق والقصاص من القاتل، هذه العقوبات يمكن أن يفلت منها الجاني لعدم ثبوت ارتكابه لموجب العقوبة، أما العقاب الأخروى فلا إمكان لإفلاته منه، لأن وسائل الإثبات موجودة، والحاكم هو الله - عز وجل، ووسائل الإثبات بعض الإنسان على نفسه، أعضاؤه تشهد عليه بما فعل، فيعاقبه الله - عز وجل، وعقاب الآخرة أشد، ولذلك إن افلت المجرم في ظل التشريع الديني من العقاب في الدنيا، وهو الأخف والأيسر، فلن يفلت في الآخرة من عقاب الله - عز وجل، فهو يعاقب على كل حال.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
أما التشريع الوضعي فإن أفلت الجاني، وهو يحدث كثير من العقاب أصبح بريئًا في نظر التشريع والمشرع الوضعي، ويمكنه أن يطالب بتعويض عما لحق به من ضرر معنوي مع أنه مجرم، إذن فهو تشريع قاصر؛ لأن الجاني يمكن أن يفلت بجريمته من العقاب كلية، بخلاف التشريع الديني.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثامنا:- العقوبات في التشريع الديني عقوبات ملائمة لطبيعة الجرائم، وكافية للزجر عنها؛ لأنه من عند الحكيم الخبير، بخلاف العقوبات الوضعية، فكثيرًا ما تفشل في الزجر عن الجرائم؛ لأنها من وضع البشر، وقد يعتريها النقص لنقصان عقل البشر.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
تاسعا:- التشريع الديني تشريع يعالج أفعال القلوب والجوارح معًا؛ لأنه مثلًا يحرم الظن، كما يحرم القتل، أما التشريع الوضعي، فهو يتعلق بعمل الجوارح فقط، ولا علاقة له بأعمال القلوب.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
عاشرًا:- يعد التائب قبل القدرة عليه بريئًا من جريمته وعقابها، ما لم يتعلق بها حق آدمى، في ظل التشريع الديني إن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه إثم ما فعل، وغفر الله له ولقي الله عز وجل بريئًا من ذنبه، ما لم يكن هذه الجريمة يترتب عليها حق بشري، فلابد أن يرده لصاحبه لاكتمال توبته، أما التشريع الوضعي فلا علاقة له بتوبة التائب فلا يعد المجرم بريئًا إلا بتطبيق العقوبة عليه، بذلك يتخلص من جريرة جريمته في التشريع الوضعي.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ولهذه الأسباب وغيرها كثير فإنه يتبين لنا بجلاء ووضوح أنه لا وجه للمقارنة بين التشريعين:- التشريع الديني والتشريع الوضعي، وأن البون بينهما شاسع، وأن التشريع الديني أعم وأشمل وأقدر على ضبط حركة المجتمع وتنظيم العلاقة بين أفراده وخالقهم، وبين بعضهم البعض، مع حرصه على تحقيق متطلبات حياتهم من الضروريات والحاجيات والتحسينات دون اعتداء على حقوق الآخرين. والله اعلم.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي