بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وبعد...هذا هو الدرس الثانى من مادة تاريخ التشريع الإسلامى وهو بطبيعة الحال من دروس الوحدة الأولى من هذه المادة وهو بعنوان مميزات التشريع الإسلامى.اتفقنا فى الدرس الأول أننا سنتعرض لدراسة ما يتعلق بالتشريع الإسلامى أو التشريع الدينى فقط ولم نتعرض لدراسة التشريعات الوضعية ولذلك ننطلق من هنا فى الحديث عن ما يتعلق بموضوعات التشريع الإسلامى أو تاريخ التشريع الإسلامى.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
سبق القول بأن التشريع الإسلامي هو الأقدر على تحقيق مصالح الناس، وتنظيم علاقتهم بخالقهم، وتنظيم علاقة بعضهم ببعض، وتشريع كهذا لابد أن يكون متميزًا بميزات خاصة بوأته هذه المكانة، فما هي أهم تلك المميزات؟ تميز التشريع الإسلامي بجملة من الخصال ميزته على غيره من التشريعات السماوية والتشريعات الوضعية، بالإضافة إلى ما سبق ذكره من فروق بينه وبين التشريعات الوضعية، وأهم هذه المميزات ما يلي:-

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
أولًا:- قلة التكاليف تميز التشريع الإسلامي مع شموله لكل مناحي الحياة، وما يعرض للناس في حياتهم، وتنظيم نوعين من العلاقة:- وهو علاقة الإنسان بخالقه، وعلاقته بالخلق، وما يتطلبه ذلك من كثرة الضوابط والتوجيهات، بأنه جمع ذلك كله في إعجاز غير مسبوق في نصوص قليلة، يستطيع المرء حفظها والوقوف عليها.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
وقد حاول العلماء حصر آيات الأحكام المتعلقة بتنظيم هذه العلاقات، وذكر عددها، فقال بعضهم:- إنها مائة وخمسون آية، وقال بعضهم:- إنها خمسمائة آية، وغاية ما بلغ العادون لها أنها ثمانمائة وست وأربعون آية. وهذا القدر وهو أكثر قدرًا ذكروه لآيات التشريع في القرآن الكريم إذا ما قورن بآيات الذكر الحكيم كلها التي تربو على الستة آلاف آية تكون قليلة جدًّا، ناهيك عن عددها عند أصحاب الرأي الأول المتناهي في القلة، وهذا إعجاز يعجز عنه غير القرآن الكريم، ويدل في نفس الوقت على أن التكاليف، وهي ثقيلة على البشر بطبيعتهم قليلة في تشريعهم من باب التخفيف عنه.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثانيًا:- هذا التشريع وهو التشريع الإسلامي تشريع ينفي الحرج والضيق عن المكلفين، فإن الناظر في جملة التشريعات الإسلامية يلاحظ أن القاعدة في التشريع هي نفي الحرج عن المكلفين، ويمكن إثبات هذا المبدأ من خلال أمرين:-

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
الأول:- إن التشريع الإسلامي لم يكلف الناس بما لا يطيقون، فهو لم يكلفهم بنقل الجبال العظيمة، ولم يكلفهم بما لا تحتمله طبيعة خلقتهم، كعدم النوم أو عدم الجلوس أو البقاء على وضع واحد أبدًا، أو الصيام من غير أن يفصل بطعام وشراب، ولذلك يقول الحق - جل وعلا:- {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ويقول:- {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}، ويقول:- {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ولم يقل خذ أموالهم، فأخذ جزء من المال - وهو ربع العشر أو العشر في الزروع والثمار، وغير ذلك من مقادير الأنصبة - أمر يسير مقدور عليه، أما أخذ المال كله، فهو أمر يشق على الناس، ولا يبقون عليه، وهو بذلك ينفي الحرج عنهم.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
كذلك يدل على نفي الحرج عن المكلفين تشريع الرخص، التكاليف الشرعية - من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك - تكاليف فيها مشقة، ولذلك كثير من الناس يقصرون عنها، فكثير من الناس لا يصلون؛ لأنها صلاة ترهق بدنهم، وكثير من الناس لا يصومون؛ لأنه على خلاف شهوتهم، وكثير من الناس يقصرون عن كثير من الواجبات الشرعية، وكثير من الناس يرتكبون المحرمات والتكليف بتركها؛ لأن المحرمات توافق شهواتهم.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
إذن فالالتزام بالأحكام الشرعية شاق على النفس؛ لأنه يخالف طبيعتها، ولكن هذه المشقة الموجودة في التكاليف مشقة محتملة مقدور عليها، بدليل أن أكثر من هؤلاء يصومون، وان معظم الناس يزكون، وأن معظم الناس لا يرتكبون المحرمات من المسلمين، إذن فهي تكاليف مقدورة ومشقة مقدورة، ومع ذلك إن زاد مقدار المشقة في هذه التكاليف لعوامل خارجية، فإن الشرع يتدخل فيخفف منها مع أنها خفيفة، ويقول الله - عز وجل:- {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ}، ويقول:-{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} بالنسبة للصيام، ويقول فيه أيضًا:- "{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، ويقول:-{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
نلاحظ في هذه الآيات التخفيف من الله - عز وجل - عن المكلفين الذي يشق عليهم الامتثال بالتكليف على طبيعته، فالصلاة معروفة هي خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي ذات ركعات معلومة، أكثرها أربع ركعات، ومع ذلك إن أصبحت الأربع شاقة يتدخل التشريع، فيخفف منها ويجعلها ركعتين، إذا كان الإنسان مسافرًا مثلًا، وإذا كان الإنسان مريضًا، وهو في رمضان شرع له أن يؤخر الصيام إلى ما بعد رمضان، وأن يفطر في رمضان لمرضه، ولأعذار أخرى كالحمل وغيرها، وللعاجز عن الصيام أصلًا وهو الشيخ الكبير أو صاحب المرض الذي لا يقوى على الصوم ومرضه مستوطن لا يبرأ منه شرع له أمر آخر وهو إخراج الفدية بدلا عن الصيام.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
وحين شرع الحج قرن بالاستطاعة حتى لا يكون فيه حرج، :-{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} لو كانت الآية تقتصر على ذلك لكان على جميع الناس القادرين وغير القادرين، ولكن لما كان الحج عملًا يحتاج إلى كلفة والى قوة أكثر من غيره من التكاليف فقرن بالاستطاعة {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}، فغير المستطيع لا حج عليه.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثالثًا:- من الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي أنه تشريع متدرج تشريع يراعي طبيعة خلقة الإنسان، فالإنسان لا يألف بطبيعته الانتقال من حال إلى نقيضه مرة واحدة، لاسيما إن كان هذا الانتقال من النقيض إلى النقيض فقد راعى التشريع ذلك بإتباع طريقة التدرج من الأخف إلى الأشد؛ وصولًا إلى مراد التشريع النهائي، ويظهر ذلك من خلال الحديث عن بعض صور التدرج في التشريع الإسلامي. من ذلك التدرج في الدعوة.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسل بتكاليف كثيرة هي التي نحن عليها الآن، ولكن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يعلن عنها يوم أعلن أنه مرسل للثقلين، وإنما اخذ يتدرج بالناس من أمر إلى آخر، فهذا التدرج في الدعوة له مظاهر منها:-

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(التدرج في الطريقة):- الأمر الأول من أمور التدرج في الدعوة التدرج في طريقة الدعوة:- بدأ الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدعوته سرًّا، ثم انتقل بعد فترة إلى نوع آخر وهو الجهر بالدعوة، فكانت الدعوة في البداية سرية نظرًا لأن ظروف المجتمع الجاهلي لم تكن مهيأة للجهر بها، ثم بعد ذلك جهر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدعوته وأعلن عنها، وأخذ يدعو الناس صراحة حين تهيأت الظروف للجهر بالدعوة، حيث أصبح للإسلام بعض الرجال الذين يمكنهم حمل عبء الدفاع عن الإسلام، أُمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ربه بأن يجهر بدعوته:- {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثانيا:- (التدرج فيمن يدعون):- الأمر الأول من أمور التدرج في الدعوة التدرج في طريقة الدعوة، والأمر الثاني التدرج فيمن يدعون إلى الإسلام، حيث أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان يفعل في بداية الأمر بدعوة عشيرته فقط:-{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ}، ليس كلهم إنما الأقربين:- {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، ثم توسعت الدعوة بعد ذلك قليلًا، فأمر بدعوة أهل مكة وما جاورها:- {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}، وأم القرى هي مكة.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثم بعد ذلك توسعت الدعوة أكثر أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدعوة العرب كافة ولا تقتصر الدعوة على مكة وما حولها، يقول الله - عز وجل:-{لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}، وهم العرب ثم أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ختام هذه المرحلة بدعوة الناس كافة:- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} جميع الناس.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
النوع الثالث:- (من التدرج في الدعوة):- (التدرج في الوسيلة المتبعة) للدعوة إلى الله - عز وجل - ففي البداية كانت الدعوة بالموعظة فقط:- {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، فغير مسموح في هذه الفترة استخدام القوة لدخول الناس في الإسلام، إنما الحكمة والموعظة فقط، ثم الصبر على الأذى، وعدم الرد بالقوة حتى إن أوذي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعليه أن يصبر، وغير مسموح له باستخدام القوة للرد أو لرد الإيذاء بمثله، فيقول له رب العزة - تبارك وتعالى:- {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ }، {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}، فكان يصب على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأذى صبّصا وعلى ما اتبعه من المستضعفين ومع ذلك كان الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصبر بأمر من ربه؛ لأنه مأمور بذلك.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثم بعد أن أصبحت للمسلمين قوة ومنعة أذن لهم في أن يدافعوا عن أنفسهم، شريطة أن يبدأهم الآخرون بالاعتداء:- {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ }، {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ}، ونلحظ فى هذه الآيات كلها أن الاعتداء يبدأ من الغير، وأن المسلمين يردون الاعتداء ولا يبدأون بالاعتداء.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثم في المرحلة الأخيرة، وبعد أن اكتملت القوة وزال عذر المشركين، حيث تعرفوا على الدين الحق، فلما استمر عنادهم شرع الجهاد، وفي هذه المرحلة جاز للمسلمين أن يبدأوا باستخدام القوة، ولكنها مشروطة بأن يتقدم عليها استخدام الدعوة السلمية، فيقول الله - عز وجل:- {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}، وغير هذه الآية من الآيات وهي المعروفة بآيات السيف أو القتال أو الجهاد في الإسلام فيجوز في هذه المرحلة ومرحلة خاتمة استخدام القوة، وإن لم يبدأنا الآخرون بالاعتداء.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ولكن استخدام القوة لا يكون مباشرة، بل يجب أن يتقدم عليه استخدام الطرق السلمية، يقول الله - عز وجل:- {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ لَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، وهذه الآية في مجملها تأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن اتبعه من المسلمين أنهم لا يستخدمون القتال إلا بعد مرحلتين من مراحل السلام، وإلا بعد استنفاد كل الوسائل السلمية.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ولذلك يعرض عليهم الإسلام، فإن رفضوه يعرض عليهم التعاقد بعهد الأمان المؤبد، وهو عقد الجزية، ويتركون على كفرهم وما يعتقدونه؛ شريطة أن لا يتعرضون للمسلمين بأذى، وأن يحافظوا في مسلكهم الخارجي على ما يلتزم به المسلمون، فلا يؤذونهم فى مشاعرهمن وبذلك يقيمون إقامة مؤبدة بين المسلمين، بل يصبحون جزءًا من الوطن الإسلامي، وبعض أهله، وليسوا من المقيمين، وإنما هم من المواطنين مع أنهم من غير المسلمين، أكثر من هذا يجب على المسلمين أن يدافعوا عنهم، وان يمنعوا من تعرض لهم بإيذاء ونحوه.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
وكان رسولنا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أرسل جيشًا أو سرية، كان يقول لقائدهم وهو يعطيه التعليمات النهائية لقائد الجيش:- (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى الدخول فى الإسلام وَادْعُهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ ، فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفْ عَنْهُمْ)، إذن فقائد الجيش في الإسلام يحمل السلام، وهو داعية اسلامي قبل أن يكون مقاتلًا، (فَادْعُوهُمْ لَبِذْلِ الْجِزْيَةِ) أي إن رفضوا الدخول في الإسلام فاعرض عليهم عقد الأمان مع تركهم وما يدينون من الكفر (وَإِلَّا فَالْقِتَال)، فنلحظ أن القتال هو الأمر الأخير، وحتى القتال كان مرشَّدًا، فكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمنع قتال الرهبان في صوامعهم، وكان يمنع قتل النساء وقتل الأطفال، وكان يمنع قطع الأشجار، حتى القتل فهو قتل مرشَّد في الإسلام مع أنه الحل الأخير. كل هذا صور من صور التدرج في الدعوة إلى الله - عز وجل.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
الصورة الثانية من صور التدرج:- (التدرج في التكاليف بصورة عامة)ن نعلم أن المسلم مطالب بصلاة وصيام وزكاة وحج، وجملة من المحرمات يحرم عليه أن يقترب منها أو أن يقترفها، ولكن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يطلب من الناس حين أعلن عن دعوته بأن يمتثلوا لكل هذا دفعة واحدة، وإنما كان الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غالب الفترة المكية يأمر الناس بشيء واحد وهو الإيمان بالله - عز وجل - وبرسالته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثم أخذت التشريعات والأحكام تتنزل على الرسول شيئًا فشيئًا مناسبة لذلك جعل القرآن منجمًا، ولم ينزل دفعة واحدة حتى اكتملت التشريعات:- الصلاة فالصيام فالزكاة فالحج، حتى اكتملت أركان الإسلامن، وأعلن عنها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبيل وفاته، مدة الرسالة كلها كانت مدة تشريع، قال فيها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في آخرها :-{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
من صور التدرج في التشريع، التدرج في تشريع الأمر الواحد، ليس التشريع مقصورًا على التدرج في التكاليف، أي أن الصلاة تفرض، ثم بعد فترة تفرض الزكاة، ثم يفرض كذا، من المحرمات التي يجب على الناس أن يجتنبوها فقط، ولكن الأمر الواحد قد يتدرج في تشريعه؛ لأنه غير مقدور مرة واحدة، ويظهر ذلك جليًّا من مثالين ومشكلتين صادفتا الإسلام عند نزوله تخلص منهما الإسلام بطريق التدرج في الأمر في تشريع الأمر الواحد.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
فقد صادف الإسلام مشكلات مستعصية في المجتمع الجاهلي، وهي تحتاج إلى حكمة وعلاج ناجح لحلها، أبرزها مشكلتا الخمر والربا، وكان للإسلام منهج رائع في حل هذه المشكلات، حيث تدرج بالناس في التهيئة لتقبل التحريم النهائي، ثم التحريم الجزئي، ثم التحريم الكلي، كما فعل في قضيتي الخمر والربا، فلم يحرم الخمر مرة واحدة ولم يحرم الربا مرحلة واحدة؛ لأن هذا لم يكن مقدورًا، فلم يكن الجاهلي، وهو يألف الخمر، كما نألف في عصرنا شرب المشروبات العادية، وهو لا يتخيل إكرام ضيف بدون خمر أنه يترك الخمر أبدًا، ولكنهم تركوها، تركوها بخطة الإسلام وتشريعه المناسب لطبيعة البشر، حتى إن المجتمع الذى كان جاهليًّا كثير من رجالاته امتنع عن الخمر قبل أن تحرم التحريم النهائي، وحين نزل التحريم النهائي، وكذلك التحريم النهائي فى الربا كان هذا كافيًّا لتركه مرة واحدة.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهم إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما اكبر من نفعهما" هذه الآية يقول عنها العلماء انه لا تحريم فيها وإنما هى مجرد مقارنة وإيقاظ للعقول وتهيئة لتقبل التحريم فهى تبين أن الخمر فيه فوائد وهو المكاسب لأنه مقابل المضار يقابله المضار لكن الشرع خاطب الأذكياء والعقلاء "وإثمهما اكبر من نفعهما" والعاقل يقول الضرر العائد والإثم هنا ليس الذنب كما يقول العلماء وإنما هو الضرر فأمر فيه ضرر وفيه نفع والضرر اكبر وتركه أفضل، فتركوها بدون تحريم. ثم بعد ذلك حرمت وقت الصلاة "لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى" فعلى المسلم أن يكون مفيقا وقت الصلاة وهذا لا يمنع أن يشرب الخمر إن كان لا يريد الصلاة أو فى غير أوقات الصلاة، ثم بعد ذلك حرمت كلية "رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
وبالنسبة للربا:- {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ }، يقارن رب العزة بين أمرين بين الربا وبين النفقات، ويبين أن الربا لا فائدة فيه في الآخرة ولا ثواب له ولم يحرمه في الدنيا، ولذلك العاقل يقول تجارة مع الله شيء لا فائدة فيه في الدنيا، وشيء فيه فائدة فيتعامل مع ما فيه فائدة وهو الإنفاق، وكثير منهم ترك الربا وعلم بذكائه أن الربا محرم لا محالة.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
وبعد أن تهيأوا لهذا ينتقل بهم إلى مرحلة أخرى:- {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} حرم الفائدة الفاحشة المتضاعفة، حيث كان الدينار يصل إلى دنانير بطول الوقت وزيادة الفائدة، وهو ما يعرف بعصرنا بالفائدة المركبة، التي تكون فيها الفائدة أكثر من أمثال أصل الدين، بدأ به التحريم فضربت تجارة الربا، وأصبحت قليلة المكاسب، مع كثرة المخاطر الموجودة فيها، ولذلك تركه كثير من الناس.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ثم بعد ذلك حرمه تحريمًا نهائيًّا:- {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا} قليله وكثيره أصبح حرامًا، وانتهت اخطر قضيتين، وهي قضية الخمر وقضية الربا.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ومن أمثالهما قضية أخرى كانت مستعصية، وهي قضية الرق والعبيد الذين صادفهم الإسلام، وهي مشكلة مستعصية؛ لأنه نوع من المال، ولو حرم الرق في بداية الإسلام لكان مشكلة، فتركه الإسلام، لكنه قضى عليه بطريقة أخرى، ضيق الموارد، فأصبح لا يمكن أن يدخل في الرق إلا من وقع في الأسر، وهو خيار من خيارات أربعة غالبًا، لا يكون أفضلها الرق، ثم أكثر من نوافذه، فالذي يرتكب قتلًا خطأً عليه أن يعتق رقبة، والذي يفطر عمدا في رمضان، والذي يظاهر من زوجته، وبذلك انتهت قضية العبيد من المجتمع الإسلامي بدون تحريم، وهذا أمر عجيب، فانتهى أمره تمامًا، ولم يصبح له وجود.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
هذه هي المميزات التي قام عليها التشريع الإسلامي ويوجد كثير من الفروع المندرجة تحت هذه الأمور التي تحدثنا عنها لا يخطئها متعمق في دينه أو في شرعه، وهذا يدلنا على عظمة تشريعنا، ويحثنا ويجعلنا أكثر اعتزازًا بتشريعنا الإسلامى. والله أعلى وأعلم.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي