بِسْمِ اللَّهِ الْحَمْدُ للّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمن وَالَاهُ.
وبعد...
فهذا هو موعدنا مع الدرس الثالث من الدروس المندرجة تحت الوحدة الأولى من مادة التشريع الإسلامي، وهو درس بعنوان:- (الأسس العامة للتشريع الإسلامي)، تبين من الدرس السابق أن الإسلام تميز في تشريعه بسمات ميزته على غيره من التشريعات، وهي قلة التكاليف، ونفي الحرج عن المكلفين، والتدرج في التشريع، ونبين هنا الأسس التي بني عليه التشريع الإسلامي.
استمع الى المقطع الصوتي
والفرق بين مميزات التشريع الإسلامي التي سبق الحديث عنها، وبين أسسه التي نتحدث عنها في هذا الدرس أن المميزات تناسب جميع المكلفين، فجميع المكلفين يناسبهم قلة التكاليف، ويناسبهم نفي الحرج عنهم، ويناسبهم التدرج في التشريع؛ لأنها نافعة لجميعهم وموافقة لطبيعة خلقتهم.
استمع الى المقطع الصوتي
أما الأسس فهي المبادئ التي يرتكز عليها التشريع الإسلامي، والتي هي في النهاية تحقق مصلحة المجتمع المسلم، وقد لا تناسب بعض المكلفين؛ لتعارضها مع هوى أنفسهم، كالعدالة مثلًا، فهي وإن كانت تحقق مصالح المكلفين كافة، لكن من يقضى عليه بحق لآخر تحقيقًا لهذا المبدأ يرى أن هذا في غير صالحه، والإسلام لا ينظر لذلك، وإنما ينظر لما فيه مصلحة المجتمع، ولذا لزم الحديث عن هذه الأسس بشيء من التفصيل.
استمع الى المقطع الصوتي
إذن قبل أن نتحدث عنها بشيء بالتفصيل نذكر بأن مميزات التشريع الإسلامي تتوافق مع ما يتمناه الخلق جميعًا، وتوافق طبيعتهم، أما الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي فهي مبادئ عامة أقرها التشريع الإسلامي وراعاها في تشريعه، وهي لمصلحة المجتمع في صورتها النهائية لا يعنيه في ذلك توافق هوى من أوتخالف هوى من.
استمع الى المقطع الصوتي
فما هي هذه الأسس التي بني عليها التشريع الإسلامي؟ هي مجموعة من الأسس:- العدالة المطلقة والمساواة والشورى، فما المراد بالعدالة المطلقة؟ وما دليلها؟ العدالة يراد بها إعطاء كل ذي حق حقه من غير نظر إلى جنسه أو لونه أو قربه أو بعده ممن يفصل في الحقوق حتى عداوته له، والنصوص الآمرة بالعدالة كثيرة في التشريع الإسلامي، وبدهي أن العدالة - كما سبق الحديث والإشارة إلى ذلك - لا تناسب بعض النفوس، وهي النفوس غير السوية، النفوس الجامحة.
استمع الى المقطع الصوتي
ولذلك يروى أن جاهليًّا سأله سائل قال له:- "ما العدل؟" قال:- "العدل أن أغير على جاري فآخذ غنمه"، فقال سائله مستعجبًا:- "فما الظلم إذن؟" قال:- "الظلم هو أن يغير عليَّ جاري ليسترد غنمه"، فعرف العدل بما هو مفهوم الظلم، والظلم بما هو مفهوم العدل؛ لأن هذا هو الذى يناسب طبيعته ويوافق مصلحتهن ولا يعنيه مصلحة الآخرين.
استمع الى المقطع الصوتي
ولذلك يقول الله - عز وجل - في إقرار هذا المبدأ:- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، فالعدالة في الإسلام عدالة مطلقة من السنة دلت على العدالة أحاديث كثيرة ترسي مبدأ العدالة من ذلك حين أراد الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يشفِّعوا حبيبًا للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو سَيِّدُنَا أسامه بن زيد في حد من الحدود في امرأة مخزومية ارتكبت حد السرقة، قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحبيبه غاضبًا:- (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ وَاللَّهِ : لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرَقَتْ لَقَطَعْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهَا).
استمع الى المقطع الصوتي
فهذه قاعدة حاكمة في الشريعة الإسلامية تبين المراد بالعدالة المطلقة، فهي عدالة تعني أن الحق لصاحبه وعلى من يجب عليه من غير نظر إلى جنس أو لون، أو حتى إلى دين، فكثيرا ما قضى قضاة الإسلام من سلفنا الصالح لمشركين خاصموا أعاظم المسلمين في عصرهم.
استمع الى المقطع الصوتي
فما المراد بالمساواة، وهي من الأسس التي قام عليه التشريع الإسلامى؟ ما المراد بها؟ وما الفرق بينها وبين العدالة؟ المساواة:- تعني المساواة بين المسلمين في الحقوق والواجبات، من دون تفريق بين جنس وجنس ولون ولون وغني وفقير ورئيس ومرؤوس، والفرق بينها وبين العدالة أن العدالة غالبًا تتعلق بالخصومات والتقاضي، بخلاف المساواة فقد تكون في العطاء، وتكون في التكليف بفعل شيء، وحتى في الأمور المعنوية:- كالتسوية في الجلوس في المجالس، والدخول على أولى الأمر وغير ذلك.
استمع الى المقطع الصوتي
والأدلة على المساواة بين المكلفين كثيرة، منها قوله - تعالى:- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، ومن السنة دل عليها قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- (كُلُّكُمْ لَآدَمَ وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيِّ وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَبْيَضَ، وَلا لأَبْيَضَ عَلَى أَحْمَرَ، فَضْلٌ إِلا بِالتَّقْوَى). ولهذا كان يجمع مجلس رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شرفاء قريش جنبًا إلى جنب مع الإعراب والموالى الذين أسلموا، وكان من هؤلاء من يعلم القريشيين العلم، ويأتمرون بأمره، فقد ولى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيدنا بلال على المدينة، وفيها من فيها من فضلاء الصحابة، كما ولى بازان الفارسي على اليمن.
استمع الى المقطع الصوتي
وتطبيقا لهذا المبدأ أمر عمر بن الخطاب قبطيًّا من أقباط مصر أن يقتص من ابن عمرو بن العاص الذي ضربه حين سبقه في سباق أجري بينهما، بل وطلب من القبطي يضرب عمرو نفسه، قائلًا:- إنما ضربك بسلطان أبيه، وقال في ذلك قوله المشهور:- "مَتَى اسْتَعْبَدْتُم الْنَاس وَقَد وَلَدَتْهُم أُمْهآآتِهُم أَحْرَارًا".
استمع الى المقطع الصوتي
فماذا عن الأساس الثالث من أسس التشريع، وهو الشورى؟ وما شروطها؟ الشورى من المبادئ السامية التي جاءت بها الشريعة السمحة، وهي تعني عدم الاستبداد بالرأي وإنما المشاورة والانتفاع برأي أهل الرأي والحكمة قبل إبرام الأمر، يقول الحق - جل وعلا - عن المؤمنين:-{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، ويقول لرسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، ويلزم لإعمال مبدأ الشورى توافر شروط أربعة هي:-
استمع الى المقطع الصوتي
(أولها):- أن يكون المستشار ممن لهم رأي صائب وخبرة فى الأمر الذي يستشار فيه، فلا مشورة لجاهل بالأمر، ولا لماجن، ولا لأحمق، يقول الحق - تبارك وتعالى:- {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.
(ثانيا):- أن يكون المستشار من أهل الدين الملتزمين به، فلا مشورة لكافر، ولا لمسلم غير ملتزم بدينه، يقول الله - جل وعلا:- {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.
استمع الى المقطع الصوتي
(الثالث):- أن يكون الأمر المستشار فيه متروكًا للشورى غير محسومٍ من قبل الشرع، يقول الله - عز وجل:- {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، فإذا كان الأمر محسومًا من قبل الله - عز وجل - فلا مجال للاجتهاد ولا مجال للتشاور.
استمع الى المقطع الصوتي
ولذلك حين أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعسكرة الجيش في غزوة بدر، وأراد سيدنا الحباب بن المنذر أن يتساءل عن موضع استقرار الجيش حيث كان لا يرتضيه ولا يعجبه، فسأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- "أهذا المنزل منزل أنزلك الله - عز وجل - أم هى الرأى والمشورة"، هو لا يعجبه موضع الجيش في تقديره العسكري، ولكنه قبل أن يبدى رأيه يسأل الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- هل أمرت بذلك؛ لأنه إن قال:- نعم، سيقول:- سمعًا وطاعة، ويكذب رأيه وحكمته، قال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- (بَلْ هِيَ الرَّأْيُ والمَشُوَرةُ)، فقال سيدنا الحباب:- "إذن فاستنهض الجيش، فإنه ليس بمنزل، ولنكون عند أبعد الماء فيكون من خلفنا، فإن بقي العدو حيث هم في الصحراء أقاموا شر مقام، وإن جاءوا ليأخذوا الماء تصيدناهم"، فأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باستنهاض الجيش وعسكر حيث أشار الحباب.
استمع الى المقطع الصوتي
(الأمر الرابع):- ألا تكون الشورى عند التحام الصفوف عند قتال الأعداء، للشورى وقت وهي وقت التشاور، فإذا استقر الأمر واختار الحاكم قرارًا فلا مشورة، لاسيما وإن كان في القتال والتحمت الصفوف؛ لأن التشاور وقتها سبب للهزيمة والفناء لا محالة، ولذا يقول الله - عز وجل:- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، {وَأَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَب رِيحكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ}، فإن فات وقت التشاور وكان القرار قد حسم فلا ينبغي لأحد أن يعترض عليه، ولا أن يبدى رأيه، وعليه أن ينفذ ما استقر عليه الأمر، ولأن طلب المشورة للمنفعة، وهي عند التحام الصفوف مضرة لما فيها من تباين الآراء والاختلاف كما نصت عليه الآية.
استمع الى المقطع الصوتي
سؤال:- هل من وقائع شاور فيها الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صحابته واخذ برأيهم؟ وحين نمثل بالرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهذا يعني إن ما فعله النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينبغي على من هو أدنى منه من حكام المسلمين أن يفعلوه فان كان فعله النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو قدوتهم، الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يوحى إليه وهم لا يوحى إليهم، فإن كان الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شاور فهم أحوج إلى المشورة، فضلا عن رجاحة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتفوقه عمن عداه من حكام المسلمين؟.
استمع الى المقطع الصوتي
والجواب:- نقول:- نعم فقد شاور النبى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فى أمور كثيرة، منها:- قتال المشركين في بدر، فلم يصدر قرار قتالهم إلا بعد أن سمع التأييد من رؤوس المهاجرين والأنصار ممن كانوا معه، وأخذ برأي سيدنا الحباب - كما أسلفنا، فغير موضع تمركز الجيش، وعسكر حيث أشار، واستشار في أمر الأسرى بعد ذلك، وقبل رأي أبي بكر في قبول الفداء، واستشار في الخروج لقتال الكفار في غزوة أحد، ونزل عن رأيه الشخصي، واتبع رأي الصحابة أو أكثر الصحابة - رضوان الله عليهم، مع أن الأمر تبين بعد ذلك أن الصواب كان في اتباع رأيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو البقاء في المدينة وعدم الخروج لملاقاتهم خارجها.
استمع الى المقطع الصوتي
إذن فقد شاور النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أمور كثيرة، وقبل مشورة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين، وهو بذلك يُعلِّم من خلفه من حكام المسلمين وأولي الأمر أن يطبقوا منهجه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يستبد بالرأي ولا ينفرد برأي عن أمتهم؛ لأن رأى الجماعة ينجي، ورأي الفرد أيًّا كان عقله يهلك.
هذا والله أعلى وأعلم.