بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمن وَالَاهُ
وبعد... فهذا هو الدرس الرابع من دروس مادة التشريع الإسلامي وهو بعنوان:- (المقاصد العامة للتشريع الإسلامي).
استمع الى المقطع الصوتي
بعد الحديث عن مميزات التشريع الإسلامي وأسسه التي بني عليها، يتبادر إلى الذهن تساؤل:- ما مقصود التشريع الإسلامي؟ أو ما الهدف الذى جاء التشريع الإسلامي ليحققه؟ الإجابة عن التساؤل هي موضوع هذا الدرس، فللإسلام مقاصد سامية، جاء من أجلها كلها؛ لمصلحة المكلفين، وهى حفظ النفس والدين والنسل والعقل والمال، وتعرف هذه المقاصد بالمقاصد الخمسة أو الكليات الخمس، وهى المقاصد العامة للتشريع الإسلامي.
استمع الى المقطع الصوتي
تساؤل:- كيف حفظت الشريعة الإسلامية على الناس أنفسهم؟ من أجل هذا المقصد منحت الشريعة الإسلامية حق الحياة لكل معصوم الدم ولو كان من غير المسلمين، وأن هذا الحق كفلته الشريعة للنفس البشرية منذ تكونها في الرحم حتى يدركها الأجل، فقد حرمت الشريعة إجهاض الحمل إلا لضرورة من باب حفظ حياته، وجعلت التزام الأم بذلك شرطًا لقبول إسلامها وجعلت الشريعة الإسلامية ذلك شرطًا لقبول إسلام الأم، يقول الله - عز وجل:- {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّوَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
استمع الى المقطع الصوتي
فقد شرط من جملة ما هو مطلوب من المرأة ليصح إسلامها ألا تتعرض لحملها بالإجهاض، فإن أجهضت الأم أو غيرها الحمل عوقب الفاعل بعقوبة خاصة في الشريعة الإسلامية تعرف بالغُرَّة، فإن كانت نفسًا قد ولدت بالفعل فالتحريم أشد، وهذا بدهي، فإذا كانت الشريعة حرمت الاعتداء على الحمل وهو نفس لم تولد بعد، فبدهي أن يكون تحريم قتل النفس المولودة أشد والعقوبة أردع.
استمع الى المقطع الصوتي
والنصوص المحرمة للقتل والموجبة لعقوبة القاتل التي قد تصل إلى القصاص إن كان القتل عمدًا لا يجهلها إلا جاهل، وهذه العقوبة لا تختص بقتل المسلم فقط، بل والكافر أيضًا، فقد حرصت الشريعة الإسلامية على حفظ حياة الكفار، إن وجد لذلك سبيل، والدليل عليه في سورة التوبة يقول الله - عز وجل:- {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
استمع الى المقطع الصوتي
فقد منعت الشريعة قتل المشركين قتل غير المسلمين من أهل الكتاب إلا بعد عرض الإسلام عليهم، فإن أبوا فالجزية، وإلا فالقتال، وهذا ما كان يعلمهم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقادة جنده إذا توجهوا إلى بلد أهل كتاب، يقول لهم:- (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ ، فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفْ عَنْهُمْ ، وَإِلَّا فالْجِزْيَةَ)، وفي الأمرين حفظ لأنفسهم من القتل، وإلا إن رفضوا الإسلام، ورفضوا الدخول في عقد الجزية، وإلا فالقتال فهو الحل الأخير.
استمع الى المقطع الصوتي
فماذا عن المقصد الثاني وهو حفظ الدين؟ الدين عند الله واحد، هو الإسلام، به نسخت الشرائع السابقة يقول الله عز وجل:- {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَم}، ومن أجل حفظ الدين أرسل الرسل واختتموا بخاتم المرسلين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ - وحرمت الردة، وأوجبت على المرتد التوبة أو يقتل كفرًا إن لم يعد إلى الإسلام، كما حرمت الخروج عن تعاليم الدين أو التفريط في إقامة شعائره من صلاة وصيام وزكاة وحج، وتوعدت الفاعلين بالعقاب في الآخرة وفي الدنيا أيضًا، وذلك بإقامة الحدود وغيرها من العقوبات التي قد تصل إلى القتل.
استمع الى المقطع الصوتي
تساؤل:- كيف حفظت الشريعة على الناس أموالهم؟ المال هو عصب الحياة وقوامها، وهو كما يقول الحكماء شقيق الروح، وقد وقفت الشريعة على هذه الحقيقة فأنزلته منزلته عند الناس، فقدمه الذكر الحكيم على البنين؛ لاهتمام الناس به، يقول الله - عز وجل:- {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، ومن أجل ذلك حفظته بجملة من التدابير الشرعية، منها:-
استمع الى المقطع الصوتي
وجهت الناس إلى كيفية تحصيله بالمعاملات المشروعة كالبيع والإجارة والهبة والميراث، كما وجهتهم إلى كيفية إنفاقه:- {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، وحرمت الاعتداء على مال الغير، وأنزلت جملة من العقوبات لمنع ذلك، فهي تقطع اليد إن أخذ المال على سبيل السرقة:- {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، وجملة من العقوبات الشديدة التي لم تشرع في غير هذه الجريمة، وهي جريمة قطع الطريق لأخذ المال بالقوة:- {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ}.
استمع الى المقطع الصوتي
كما شرعت ضمان المتلفات، وضمان المال المغصوب، وغير ذلك من التدابير التي تكفل حماية أموال الناس وعدم الاقتراب منها إلا بحقها، كأخذ أموال الزكاة، وهو جزء قليل لا يؤثر على جملة المال إلا بالزيادة:- {وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ}، ويقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- "مَا نَقَصَ مالٌ مِنْ صَدَقَةٍ".
استمع الى المقطع الصوتي
فماذا عن حفظ العقل في التشريع الإسلامي؟ العقل جوهرة ميز الله - عز وجل - بها الإنسان، وكرمه على سائر مخلوقاته، وجعله مناطًا للتكليف، ومن أجل هذه القيمة العالية والمنزلة السامية حرمت الشريعة كل ما يضر بالعقل ويؤثر على كفاءته، فحرمت الخمر؛ لأنه يغيب العقل:- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وأنزلت عقوبة الجلد لمن شرب الخمر، وكذا التعزير لمن فعل ما من شأنه التأثير على العقل بما لا حد فيه؛ ليبقى العقل صالحًا لوظيفته التي من أجلها خلقه الله - عز وجل.
استمع الى المقطع الصوتي
بقي المقصد الخامس وهو حفظ النسل، فكيف حفظت الشريعة على الناس أنسابهم؟ النسل والتناسل يعني إعمار الكون بالإنجاب، وقد نظمت الشريعة طريقة الإنجاب الشرعية في الشريعة الإسلامية بين البشر، فأصبح مقصورًا على الزواج الشرعي بعد انتهاء طريق آخر، وهو طريق ملك اليمين أو الرق، يقول الله - عز وجل:- {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}، وحرمت السعي لحصوله بغير هذا الطريق المشروع وهو الزنا، يقول الله - عز وجل:-{وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً}.
استمع الى المقطع الصوتي
ومن أجل ذلك شرعت حدين من حدودها لمنع التعرض للأعراض:- أحدهما التعرض بالقول، يقول الله - عز وجل- فيه:- {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، فالجلد ثمانين جلدة، وعدم قبول الشهادة وهو عقاب معنوي شديد، ووصفهم بالفسق وهو عقاب معنوي، أيضا ثلاث عقوبات نزلت فيمن يتعرض لأعراض الناس بالكلمة فقط. فقد أنزلت الآية بهم العقاب اللائق بفعلهم لما يعود على المقذوف من الأثر السيئ هو وبنوه ونسله.
استمع الى المقطع الصوتي
فإن كان الاعتداء بالفعل وهو الزنا، فالعقاب أشد، يقول الله - عز وجل:- {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}، وهذا إن كان الزاني أو الزانية غير محصن وهو يعرف بالبكر، أما إن كان محصنًا بالزواج فعقوبته الرجم حتى الموت، وهو ما ثبت بالسنة النبوية المطهرة.
استمع الى المقطع الصوتي
وبذلك نرى كيف حفظت الشريعة الإسلامية على الناس كل ما يحتاجون إليه وكل ما له قيمة فى حياتهم، ونرى تدابير الشريعة الإسلامية لتحقيق مقاصدها السامية التي جاءت من أجلها واضحة وضوح العيانن لا ينكرها إلا من ينكر ضوء الشمس في وسط النهار، وما ذلك إلا لعمى في عينيه.
هذا والله أعلى وأعلم.