بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للّهِ وَصَلَاةً وَسَلامًا عَلَى رَسُولِهِ الْأَمِينَ صَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَيه وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ. وبعد... فهذا هو الدرس الخامس من دروس مادة التشريع الإسلامي وهو في تعريف الفقه والعلاقة بينه وبين الشريعة والتشريع. تاريخ التشريع يعني التأريخ لتطور حركة التشريع الإسلامي، والتشريع يعني الفقه، ولذا كان من الضروري الحديث عن الفقه، وبيان علاقته بالتشريع.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
فما المراد بالفقه؟ وما هو شرح تعريفه؟ الفقه في اللغة:- الفهم، فعند علماء الأصول عرف بتعاريف، منها العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، ونكتفي بهذا التعريف؛ لأنه هو أرجح التعاريف عند علماء الأصول، ونتوقف مع شرح كلماته وقيوده وإخراج محترزاته.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(كلمة العلم) العلم في الأصل يراد به اليقين والقطع والإدراك القطعي الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل، وهذا ليس مرادًا هنا، بل المراد به في التعريف مطلق الإدراك، سواء كان الإدراك قطعيًّا أو كان الإدراك ظنيًّا؛ لأن غالب مسائل الفقه ظنية وليست قطعية. (الأحكام) جمع حكم والمراد بها أحكام الفروع الفقهية، وهي المسائل التى تعرض للمكلفين في حياتهم العملية، وأحكام المسائل الفرعية من حيث الحل والحرمة وما بينهما لا تخرج عن ستة أحكام هي:-

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(الأول):- [الفرض]، وهو ما طلب الشارع من المكلفين فعله على سبيل الجزم والحتم، بدليل قطعي الثبوت، كالصلوات الخمس، والصيام في رمضان، والزكاة، والحج. (الثانى):- [الواجب]، وهو ما طلب الشارع من المكلفين فعله طلبًا جازمًا بدليل ظني الثبوت كصلاة الوتر عند الحنفية، ويلاحظ أن جمهور العلماء لا يفرقون بين الفرض والواجب، ولذا يقولون:- إن صلاة الوتر سنة؛ لأنهم لو قالوا واجبة لكانت بمعنى الفرض، أما الحنفية فيجعلون الواجب مرتبة أدنى من الفرض وأعلى من السنة، وعلى ذلك فالجمهور يعرفون الفرض أو الواجب - كلاهما مرادف للآخر - بأنه ما طلب الشارع من المكلفين فعله طلبًا جازمًا، لا فرق عند الجمهور بين كون الدليل عليه قطعيًّا أو ظنيًّا خلافًا للحنفية.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(الثالث):- من هذه الأحكام التكليفية [الحرام]، وهو ما طلب الشارع تركه على سبيل الحتم، كالزنا والقتل والسرقة والغصب وغير ذلك من المحرمات. (الرابع):- [الجائز] وهو ما خير المكلفين بين فعله وتركه دون ترجيح لجانب من الفعل أو الترك، ويقال له المباح، كالبيع والشراء والقيام والقعود والأكل والشرب، إذا لم يوجد المانع كالصيام مثلًا، فإنه يمنع الطعام والشراب، أو الموجب للفعل كالمضطر، فإنه يجب عليه أن يأكل ما يبقي على حياته، فإذا خلا عن الموجب وعن المانع معًا كان الأمر مباحًا كالبيع، حال كون الإنسان ليس مضطرًا لفعله، ولا يوجد ما يمنعه من فعله.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(الخامس):- من هذه الأحكام يسمى [بالمندوب]، وهو كل أمر يجوز فعله، ويجوز تركه وفعله أولى وأفضل من تركه، كأكل الجائع وشرب العطشان في غير الصيام. (الأخير):- [المكروه]، وهو كل أمر جاز فعله وجاز تركه، وكان تركه أولى من فعله، كأكل الشبعان وشرب الريان.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ويمكننا جمع الأحكام التكليفية السابقة في عبارة مختصرة نقول فيها:- "افعل لا تفعل أنت بالخيار"، فهذه العبارة تجمع تحتها الأحكام التكليفية كلها، وبيان ذلك أن:- (افعل):- يدخل تحتها الفرض والواجب، سواء كان شيئًا واحدًا أو كان مختلفين. (ولا تفعل):- يندرج تحتها الحرام فقط. (وأنت بالخيار):- تشمل الجائزة أو المباح والمندوب والمكروه. ففي الثلاثة تخيير، وإن كانت الدرجة مختلفة، فقلنا في المباح يستوي الفعل والترك، وفي المندوب يترجح الفعل على الترك، وفي المكروه يترجح الترك على الفعل، إلا أن الجامع أن في الثلاثة تخييرًا.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(وكلمة الأحكام):- في التعريف قيد تخرج ما لا أحكام فيه، كالصفات من الطول والقصر والبياض والسواد وغير ذلك، وكذلك تخرج الذوات والأشخاص. (وكلمة الشرعية):- تخرج من التعريف الأحكام الرياضية والكيميائية والعقلية ونحو ذلك، فهذه وإن كان فيها أحكام كالأحكام العقلية مثلًا:- السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والولد اصغر من أبيه، والاثنان أكثر من الواحد إلى آخره، هذه الأحكام كلها رياضية كانت أو عقلية وغير ذلك لا تدخل في مسمى الأحكام الشرعية؛ لأنها لها مسمياتها ومصدرها ليس التشريع.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
(وكلمة العملية):- تخرج أحكام العقيدة والأخلاق وغير ذلك، فهي شرعية مصدرها الشرع لكنها غير عملية؛ لأنها ليست متعلقة بأفعال الجوارح. (وكلمة المكتسب):- بالضم صفة للعلم لإخراج علم الله - عز وجل - من التعريف، فلا يقال له فقه؛ لأنه قديم، والفقه مكتسب، وقد يوجد في بعض الكتب - كتب الأصول - هذه الكلمة بلفظ المكتسبة؛ لتكون صفة للأحكام، ولكن جعلوها المكتسب؛ لتكون صفة بالعلم أولى؛ لإخراج علم الله - عز وجل. (وكلمة التفصيلية):- قيد أخير في التعريف يراد به الأحكام المستنبطة من الأدلة كالكتاب والسنة وبقية مصادر التشريع، وهو لإخراج علم المقلد، فهو لا يأخذه من الأدلة التفصيلية.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
تساؤل:- فما العلاقة بين الفقه والشريعة؟ الشريعة تعني كل ما شرعه الله - عز وجل - من أحكام لخلقه، سواء تعلقت بالأخلاق أو العقيدة أو المعاملات، أما الفقه فقد تبين من خلال تعريفه أنه يتعلق بالأحكام الشرعية العملية فقط، وعلى ذلك فالشريعة أعم من الفقه وهو جزء منها.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ودراستنا في تاريخ التشريع تقتصر على دراسة تطور الأحكام العملية فقط، ونستطيع القول بأنها دراسة تأصيلية لتأريخ الفقه وتطوره ومصادره، ولا يدخل فيها بقية فروع الشريعة الإسلامية من أحكام العقيدة والأخلاق، وغير ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي