بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى أَشْرف الْخَلْقِ وَالْمُرْسَلِين سَيْدِنَا مُحمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِهِ وَأَصْحَابِه، ومن اتبع سنته ودعا بدعوته إلى يوم الدين
وبعد..
فمع الدرس الثانى وهو (الإعراب والبناء) يتناول هذا الدرس:- تعريف الإعراب والبناء وتحديد مفهوم المعرب والمبنى وبيان ما يدخله الإعراب والبناء من أنواع الكلمة، مع توثيق ذلك بالشواهد القرآنية والأحاديث النبوية والفصيح من كلام العرب.
فأقول وبالله التوفيق.
استمع الى المقطع الصوتي
اعلم أن الإعراب فى اصطلاح النحويين هو تغير أحوال أواخر الكلم بسبب تغير العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقديرًا، والمعرب هو الكلمة التى يتغير حال آخرها بسبب تغير العوامل الداخلة عليه، وتكون الكلمة المعربة أما اسمًا أو فعلًا، وتغير أحوال أواخر الأسماء عبارة عن تحولها من الرفع إلى النصب أو الجر لفظًا أو تقديرًا، بسبب تغير العوامل، فهناك عامل يقتضي الرفع على الفاعلية، وآخر يقتضي النصب على المفعولية، وثالث يقتضي الجر إلى غير ذلك.
استمع الى المقطع الصوتي
والآن نوضح ما نقول بالشواهد من القرآن الكريم كلمة "الله" انظر إلى آخر حرف فيها وهو الهاء ستجد أن هذه الهاء يتغير ضبطها وحالها بحسب موقعها في الجملة فقد قال - تعالى:- {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} يَرْفَعِ اللَّهُ الهاء هنا عليها ضمة؛ لأنها فاعل انظر إلى كلمة الله في الآية التالية:- {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين} كلمة الله الهاء جاء عليها فتحة؛ لأنها مفعول به منصوب إذن تغير موقعها في المثال الثاني، وفى المثال الثالث قوله - تعالى:- {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} جاءت الهاء مكسورة، إذن حال الهاء في كلمة الله لم يثبت على حال واحد، وإنما تغير ضبط الهاء بسبب تغير موقع الكلمة في الجملة، فمرة جاءت فاعلًا فجاءت مضمومة، ومرة جاءت مفعولًا فجاءت منصوبة بالفتحة، ومرة جاءت مجرورة باللام فعلامة جرها الكسرة.
استمع الى المقطع الصوتي
أما التغير التقديرى فهو ما يمنع التلفظ به مانع من تعذر أو استثقال أو مناسبة ويكون ذلك في الاسم المكسور الذي آخره ألف والمنقوص الذي آخره ياء في حالتي الرفع والجر والمضاف إلى ياء المتكلم ولا يخفى عليك ذلك، وسأذكر لك أمثلة سريعة سأذكر أمثلة سريعة توضح ذلك.
استمع الى المقطع الصوتي
فأما المقصورك- فهو الاسم المعرب الذي آخره لازمة، كما في قوله - تعالى:- {قُلْ إِنَّ هُدَى اللـه هُوَ الْهُدَى}، لاحظ أن كلمة هدى جاءت اسم إن، وكلمة الهدى جاءت خبر إن، ولم نرَ ضمة ولا فتحة؛ لأن الإعراب على هذه الكلمة تقديري، هدى آخرها ألف، فلا تظهر عليها حركات إعراب، مع أنها كلمة معربة، ومنه قوله - تعالى:- {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى}، الباء حرف جر والهدى اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة المقدرة، ولم تظهر الكسرة للتعذر؛ لأن الألف لا تظهر عليه حركات إعراب، ومع أن التغير هنا غير ظاهر، فإننا نحكم على كلمة هدى ونحوها بأنها معربة؛ لأنه قد تغير إعرابها بتغير موقعها في الجملة، وكذلك المنقوص، والمتصل بياء المتكلم.
استمع الى المقطع الصوتي
ثم ننتقل بعد ذلك إلى تغير أحوال أواخر الأفعال، فكما أن الاسم تتغير أحوال آخره، فكذلك الفعل المضارع تتغير أحوال آخره من الرفع إلى النصب أو الجزم لفظًا أو تقديرًا بسبب تغير العوامل، فهناك عامل يقتضي رفع المضارع وآخر يقتضي نصبه، وثالث يقتضي جزمه، مثال ذلك كلمة (تقول) في قوله - تعالى:- {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ}، انظر إلى اللام من كلمة تقول تجدها عليه ضمة؛ لأن الفعل مرفوع فتجرد من الناصب والجازم، ولكن في قوله - تعالى - في سورة الجن :-{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ}، نجد أن الفعل تقول جاءت اللام عليها فتحة؛ لأن الفعل منصوب بلن، فعلامة نصبه الفتحة، فاختلفت حركة الإعراب في المثال الأول والثاني لاختلاف العوامل الداخلة، أيضًا في قوله - تعالى:- {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} تجد أن (لا) الناهية، و(تَقُلْ) فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه السكون، فلما اختلفت العوامل اختلفت أحوال آخر الفعل المضارع وهو تقول.
استمع الى المقطع الصوتي
أما التغير التقديري:- فهو ما يمنع من التلفظ به مانع من تعذر أو استثقال، وإنما يكون التعذر في المعتل الآخر بالألف، والاستثقال فى المضارع المعتل بالياء أو بالواو، مثلًا إذا قلت:- {إِنَّمَا يَخْشَى} يخشى فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة، ونكمل الآية {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، أما قوله - تعالى:- {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى}، تزكى أصلها تتزكى فعل مضارع منصوب بـ أن وعلامة النصب الفتحة المقدرة، {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}، فتخشى أيضًا تخشى فعل مضارع إذا عطفته على أهديك، وتزكى نجده منصوبًا وعلامة نصبه الفتحة المقدرة.
استمع الى المقطع الصوتي
أما في الجزم فحرف العلة يحذف في الجزم من الفعل المضارع، كما تقول:- {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ} يخشى تكتب ياء خاء شين مفتوحة فقط، وتحذف الألف بسبب الجزم، إذن فالفعل المضارع يرفع بضمة ظاهرة إذا كان صحيح الآخر وينصب بفتحة ظاهرة إذا كان صحيح الآخر، ويجزم بالسكون إذا كان صحيح الآخر، أما إذا كان معتل الآخر فإنه يرفع بضمة مقدرة، أما في حالة النصب فإن كان معتل بالألف ينصب بفتحة مقدرة، وإن كان معتل بالياء أو بالواو فإنه ينصب بفتحة ظاهرة، أما فى حالة الجزم فإن حرف العلة يحذف سواء أكان ألفًا أم واوًا أم ياءً، فتنبه إلى ذلك راعاك الله وحفظك.
استمع الى المقطع الصوتي
أما البناء، فالبناء في اصطلاح النحويين هو لزوم آخر الكلمة حالة واحدة مع اختلاف العوامل الداخلة عليها، فالكلمة التي يثبت آخرها على حالة واحدة مع تغير موقعها بالجملة يحكم عليها بأنها مبنية، ولذلك يمكن أن نعرف المبني من الأسماء أو الأفعال بقولنا:- المبني:- هو ما لا يتغير آخره بل يلزم حالة واحدة من حركة أو سكون، مهما اختلفت العوامل الداخلة عليه، ويكون ذلك في الأسماء والأفعال والحروف.
استمع الى المقطع الصوتي
فمثلًا كلمة هؤلاء سنذكرها في مواضع ثلاثة:- تكون في حالة رفع وحالة نصب وحالة جر، لن ترى آخرها يتغير تقول جاء هؤلاءِ المحترمون، ورأيت هؤلاءِ المحترمين، وسلمت على هؤلاءِ المحترمين، تجد أن كلمة هؤلاء جاءت بالكسرة في جميع الأمثلة، مع أن موقعها الاعرابي قد اختلف وتغير وتغيرت العوامل الداخلة عليها، ومع هذا ثبت آخرها على حالة واحدة، ومن هنا نحكم على كلمة هؤلاءَ بأنها مبنية. إذن فالمبنى من الأسماء ما يلزم آخره حالة واحدة.
استمع الى المقطع الصوتي
وكذلك في الأفعال عندنا مثلًا ضرب، الفعل الماضي مبني على الفتحة دائمًا، إذا لم يتصل به شيء، وسياتى مزيد تفصيل للأفعال في الدرس القادم إن شاء الله - تعالى.
بهذا تكون قد عرفت معنى الإعراب ومعني البناء، والمبني من الأفعال والأسماء والحروف .
استمع الى المقطع الصوتي
ونلخص ذلك كله فى النقاط الآتية:-
واحد:- أن الإعراب تغير آخر الاسم والفعل المضارع لفظًا أو تقديرًا بسبب تغير العوامل الداخلة عليهما، وإن البناء هو لزوم آخر الكلمة حالة واحدة لغير اعتلال مع اختلاف العوامل.
ثانيًا:- الإعراب يدخل نوعين فقط من أنواع الكلم هما الاسم والفعل المضارع نحو "يفهم محمد"، والبناء يدخل جميع أنواع الكلم الاسم والفعل والحرف، نحو "هل قام هذا"، فهل حرف مبني، وقام فعل مبني، وهذا اسم مبني.
استمع الى المقطع الصوتي
ثالثًا:- المعرب هو كل اسم أو فعل مضارع تغير آخره تغيرًا ظاهرًا أو مقدرًا بسبب اختلاف العوامل الداخلة عليه، نحو قولك:- "يفهم محمد"، "ويسعى الفتى"، والمبني هو كل كلمة لزم آخرها حالة واحدة لغير اعتلال مع اختلاف العوامل، وهذه الكلمة قد تكون اسمًا أو فعلًا أو حرفًا.
هذا وبالله التوفيق.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيْدِنَا مُحمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى أَهْلِهِ وَصَحبِهِ أجمعين.