بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيْدِنَا رَسُولِ اللَّهِ أما بعد
فمع الدرس الثاني من دروس البلاغة العربية عنوان درسنا:- أغراض الخبر وأدربه والمجاز العقلي وعلاقته".
أما أغراض الخبر:- ما المقصود بالخبر هنا؟ المقصود بالخبر هنا عكس الإنشاء، فما المقصود بالإنشاء؟ الإنشاء نوع من الأساليب لا يحتمل الصدق ولا الكذب، لماذا؟ فأنا مثلًا حينما أقول لك:- قم، حينما أقول لك:- اقعد، حينما أقول لك:- اجلس، أنا لا أخبر عن شيء، لكني هاهنا في هذا المقام اطلب منك أن تنشئ فعلًا غير واقع، أما الخبر فأنت تخبر عن فعل واقع، فتقول:- نجح على، ورسب زيد، وما إلى ذلك.
استمع الى المقطع الصوتي
إذن فهذا هو الأسلوب الإنشائي والأسلوب الخبري.
هناك أغراض أساسية لأي أسلوب خبرى، إما أن أفيد فائدته كأن أقول لك:- نجح زيد، فأخبرك بنجاحه، وأنت لا تعلم ذلك فأكون قد أفدتك فائدة، فأسمي الكلام حينئذ أو أسمي الغرض حينئذ فائدة الخبر، ولكن حينما أكون عارفًا أنك تعلم بنجاحه، فأقول لك نجح زيد، أنا هنا لا أفيدك أنه نجح، ولكن أفيدك أن تعرف أنني أعرف أنه نجح، فيسمى هذا لازم الفائدة، هذه الأغراض الأساسية لكل أسلوب خبري، إما أن تفيد فائدة الخبر، وإما أن تفيد لازم الفائدة، بمعنى أن أفيد المخاطب أنني أعرف مضمون هذا الخبر
استمع الى المقطع الصوتي
ولكن حينما تنظر في الأساليب العربية العالية ترى أن الأسلوب أو الأسلوب الخبري فيها لا يفيد تلك الفائدة التي ذكرناها، ولا لازم الفائدة التي ذكرناها، فتبحث حينئذ عن أغراض أخرى، البحث عن هذه الأغراض وتحديدها هو الذي تكمن وراءه البلاغة الحقيقية، فحينما تقرأ قول ربك حاكيًّا عما حدث من أم مريم - عَلَيْهَا السَّلَامُ - حينما قالت:- {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى}، (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) أسلوب خبري، وهنا لا نستطيع أن نقول إنه يفيد فائدة الخبر؛ لأننا إن قلنا هذا معناه أنها أخبرت ربها بما لا يعلم، وهذا أمر مستحيل.
استمع الى المقطع الصوتي
كذلك أيضًا لا أستطيع أن أقول إن هذا الأسلوب أفاد أو الخبر هنا أفاد فائدة الخبر، لماذا؟ لأنها لا يعقل أن تعلم ربها أنها علمت أو أنها تعلم؛ لأن الله يعلم أنها تعلم، إذن فانتفى الغرضان الأساسيان بالأسلوب الخبري في مثل هذه الآية فائدة الخبر ولازم الفائدة، فبقي أن نبحث عن غرض آخر لهذا الخبر، فحينما نبحث عن غرض آخر نجد أنها أرادت أن تظهر أمام ربها - سبحانه وتعالى - الحسرة والحزن والأسى؛ لأنها كانت تتمنى أن يكون ما في بطنها من الذكور؛ لأنه حينئذ كان الذكور هم الذين يوهبون لدور العبادة فيترهبون فيها، ولكن لما وجدت وولدتها أنثى، كأنها تتحسر وتحزن من اجل هذا، كذلك أيضا حينما نقرأ في القرآن الكريم قول ربنا حاكيًّا عن زكريا - عَلَيْهِ السَّلَامُ:- {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}.
استمع الى المقطع الصوتي
لا يمكننا أن نقول هنا:- إن زكريا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يخبر ربه بأنه قد تقدمت به السن، فربه بذلك عليم، ولا يمكننا أيضًا أن نقول إن الخبر هنا يفيد لازم الفائدة، فزكريا هنا لا يريد أن يخبر ربنا أنه يعلم، إذن فانتفى الغرض، وانتفى لازم الفائدة، لا فائدة الخبر تراد هنا، ولا لازم الفائدة يراد هنا، وإنما لابد من البحث عن غرض بلاغي آخر، وهو أنه يريد أن يُظْهِر أمام ربه الضعف والخضوع، وهذا أمر معتاد في حياة الناس، وفي كلام الناس، فإنَّ من كان له مطلب عند كبير أو عظيم من الناس، فإنَّه يظهر أمامه بصورة الضعيف الذليل الذي يحتاج إلى آخر هذه الأشياء، فهو لا يريد أن يخبره برقة حاله، ولا ضعف حاله، ولكن يريد أن يستعطفه، فيكون المراد من الخبر حينئذ غرض بلاغي آخر غير فائدة الخبر وغير لازم الفائدة.
استمع الى المقطع الصوتي
عندنا المجاز العقلي سمي لماذا بالمجاز العقلي؟ معنى المجاز يعني الانتقال من شيء إلى شيء على سبيل التجوز، فسمي مجازًا عقليًّا لماذا؟ لأن المجاز يلتقط فيه من الإسناد بمعنى ماذا؟ حينما أقول:- أحرقتني الشمس، أنا أسندت الإحراق للشمس، حينما أقول:- أنت منحتني الهداية، أسندت منح الهداية لك، فيكون فيها هذا الإسناد إما أن يكون حقيقة، وإما أن يكون مجازًا، فأنا حين أقول:- قرأت الكتاب، أسندت القراءة إليه، هذا إسناد حقيقي، ولكن قد يكون هناك إسناد مجازى أي العقل وحده هنا سيقول لا يمكن أن يكون هذا الفاعل هو الفاعل الحقيقي.
استمع الى المقطع الصوتي
ولكن لابد أن يكون فاعلًا على سبيل المجاز، فالعلاقة هنا علاقة الإسناد، يعني مثلًا حينما أقول:- سرني الزمان أو ساءنى الزمان، فالزمان لا يسر، والزمان لا يسيء، ولكن تقع فيه الإساءة، فهنا "سر" مستخدمة في حقيقتها، والزمان مستخدم في حقيقته، لكن التجاوز كان في ماذا كان في إسناد السرور إلى الزمان أو الإساءة إلى الزمان، فسمي ذلك بالمجاز العقلي، ولذلك قالوا في تعريفه هو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى أو ما يجري مجراها على سبيل التجوز، لكن هذا الإسناد وهذا التجوز ليس أمرًا هكذا يمكن أن تستخدم ما تشاء حيثما شئت، لكن هناك علاقات ضابطة وهناك ضوابط.
استمع الى المقطع الصوتي
فلابد أن تكون هناك علاقة أساسًا أو صلة واتصال أساسي بين ما أسندته وبين ما أسندت إليه فى الوجود، هذه العلاقة التى تسمح لك بهذا الإسناد فلا تسند أي كلمة لفاعل، وهكذا، ولكن لابد أن تكون هناك علاقة كذلك لابد أن تكون هناك قرينة أي دليل على أن هذا الكلام ليس على حقيقته، فلذلك وضع البلاغيون ضوابط علاقات سموها بعلاقات المجاز العقلي منها مثلًا الفاعلية كقوله - تعالى:- {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}.
استمع الى المقطع الصوتي
الحجاب في العادة يكون ساترًا لا يكون مستورًا، فأصل الكلام "حِجَابًا" لأننا نقول:- "حِجَابًا مَّسْتُورًا" أصل الكلام حِجَابًا ساترًا، ولكن أسندت أنا اسم المفعول مَّسْتُورًا إلى نائب الفاعل هو، أي واصل الكلام "حِجَابًا مَّسْتُورًا" هو يعود على الحجاب، فكأن الحجاب صار "مَسْتُورًا"، لكن بينهما علاقة، علاقة مفعولية، علاقة مفعولية ماذا؟ يعني معناها أن هناك بين ساتر ومستور علاقة، هذا فاعل، وهذا مفعول، فمن أجل هذا سمحت هذه العلاقة أن يكون الإسناد على سبيل التجوز، كذلك قوله - تعالى:- {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}، فالعيشة لا ترضى، لا يتأتى منها رضًا، ولا يتأتى منها سخط، ولكن هناك علاقة في الوجود أن الرضا يصدر ممن يعيش فيها، فكذلك نقول "رَاضِيَةٍ" هنا مجاز عقلي، أين المجاز؟ هو أن "رَاضِيَةٍ" فاعلها ضمير مستتر تقديره هي يعود على عيشة
استمع الى المقطع الصوتي
فكأنها تساوي "هي ترضى" أو "العيشة ترضى"، فأسندنا على سبيل الفاعلية، فيسمى هذا مجازًا عقليًّا علاقته الفاعلية، كذلك يمكن أن تسند الشيء إلى زمانه، ويمكن أن تسنده إلى مكانه، فتقول:- "أنبتت الأرض العز"، فالأرض لا تنبت العز، ولكن العز ينبت فيها، فمن أجل هذا هناك علاقة أنك أسندت الشيء إلى مكانه، والمكان يحدث فيه الحدث، وكذلك في الزمان "سرني الدهر"، أنت أسندت الفعل إلى الزمن الذى يقع فيه الحدث، وهو حدث هو السرور، إذن هناك علاقة بين "سرني" وبين "الدهر" العلاقة هي الزمانية، هناك علاقة بين "الأرض" وبين "أنبتت"، العلاقة هنا المكانية، إذن فلا يجوز أن يسند من شاء إلى ما شاء، ولكن هناك ضوابط سماها البلاغيون المجاز العقلي، وسموه بالمجاز العقلي؛ لأن استخراجه إنما يكون من علاقة الإسناد، وعلاقة الإسناد أمر عقلي ليس منصوصًا عليه في الكلام، ولقد كثر انتشار هذا الأسلوب في اللغة العربية بنصوصها الإبداعية المتنوعة.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيْدِنَا مُحمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ.