بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نَحْمَدُ اللَّهَ ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ عَلَى سَيْدِنَا رَسُولِ اللَّهِ
أما بعد
فمع الدرس الثالث من دروس مقرر البلاغة للسنة الأولى:- "أحوال المسند إليه"، من حيث الحذف والذكر والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير إلى آخر هذه الأحوال؛ لأن المسند إليه يشكل الجزء الأساس من تكوين الجملة، والجملة بنوعيها أما أن تكون جملية اسمية، فيكون المسند إليه معادلًا للمبتدأ فى علم النحو فى الجملة الاسمية، ويكون المسند إليه معادلًا للفاعل فى علم النحو،
استمع الى المقطع الصوتي
المبتدأ والفاعل - أي المسند إليه - يقعان في الجملة على أحوال مختلفة، فقد يكون المسند إليه مذكورًا، وهذا هو الأصل، ولكنه قد يسبق في الكلام ما يدل على المسند إليه ولا يكون هناك داع لذكره مرة ثانية، ولكننا نجده مذكورًا في بعض الجمل، والمسند إليه إذا كان مذكورًا لابد أن يكون وراء ذكره أسرار بلاغية ودواع إيحائية، فقد يذكر لزيادة التقرير والإيضاح ما معنى زيادة التقرير والإيضاح معنى زيادة التقرير والإيضاح، أي تأكيد المعنى أو توكيد المعنى وتوضيحه.
استمع الى المقطع الصوتي
من ذلك قوله - تعالى:- {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، نلحظ انه قد ذكر المسند إليه في الجملة "أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ"، ثم ذكر ثانيًا "وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، وكان يمكن أن يكون محذوفًا، ولكنه يذكر في الكلام لزيادة التقرير والإيضاح، أي لزيادة تأكيد المعنى، وتوضيح المعنى، وفي هذا تأكيد على إثبات الفلاح لهؤلاء المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب والذين يؤمنون بما انزل الله والذين ينفقون مما رزقهم الله،
استمع الى المقطع الصوتي
وقد يذكر المسند إليه للتلذذ بذكره كان تقول الله حسبى الله حسبى الله حسبى فقد لاحظنا لفظ الجلالة وهو المسند إليه فى جملتنا هذه يذكر ونعيد ذكره عدة مرات وذلك للتلذذ بذكره وهناك أسرار أخرى يمكن أن تستنبط من السياق الجمل حينما نراها فى نصوص عالية ونصوص مبدعة وهذه الأسرار وتلك الإيحاءات لا يمكن أن تكون محصورة أو لا يستطيع احد حصرها لان الأحوال تتكاثر وتتجدد تجدد الزمان وما إلى ذلك وإنما ذكرنا بعضها لندل بذكر بعضها على ذكر غيرها فليكن الأمر متسعا باتساع النصوص فى استخراج هذه الأسرار
استمع الى المقطع الصوتي
والمسند إليه أيضًا قد يكون محذوفًا، وكما ذكرنا بعض الأسرار في ذكره نذكر بعض الأسرار في حذفه، وقد يحذف المسند إليه لضيق الكلام، وليس معنى ضيق الكلام هنا ضيق زمن الكلام، لكن يحذف البليغ المسند إليه من الكلام؛ ليدل على أن صدره ضائق، وعلى أن حاله في كرب، فلذلك يحذف المسند إليه، وهناك مثال علم في هذا الأمر، يقول الشاعر فيه:-
قَالَ لِي كَيْفَ أنْتَ قُلْتُ عَلِيلُ سَهرٌ دَائِمٌ وَحُزْن طَوِيلُ
الأصل أن يقول قُلْتُ أنا عَلِيلُ
استمع الى المقطع الصوتي
ولكنه حذف المسند إليه وهو الضمير "أنا"، وحذفه ذلك دال على ضيق المقام، أي ضيق حال المتكلم بذكر نفسه في هذا السياق، وكأنه قد اختفى من شدة علته، فلم يكن له ذكر في الواقع فلاءم أن يحذفه من الكلام تلاؤما مع حذفه من الواقع، وخفائه عن الواقع، والناس في عادتهم إذا أخفوا أمرًا حذفوه، فكذلك أيضًا يوجد هذا في الكلام البليغ، أي قد يكون السر وراء حذف المسند إليه تيسير الإنكار عند الحاجة، أو إخفاء الأمر عن غير المخاطب، كذلك أيضا نجد في سياق الكلام المعجز والكلام الشريف والكلام المبدع،
استمع الى المقطع الصوتي
نجد المسند إليه نجده مُعرَّفًا، والتعريف له طرائق متعددة، ووراء كل طريق من طرائق التعريف أسرار بلاغية وأحوال ونكات، فقد يكون التعريف بالعلمية، فيذكر المسند إليه كان تقول حضر صلاح الدين تريد بذلك أي بذكره؛ لأن المسند به هو صلاح الدين، وأنت تريد بذكره أن تمدحه، فكذلك تذكره بعَلَمِه، وكأن تذكره أيضًا على وجه التفاؤل، وقد تذكره على وجه التشاؤم، ووراء كل ذلك أسرار، وكذلك إذا عرفت المسند إليه باسم الإشارة:- هذا أو هذه أو ذلك أو أولئك، أو المثنى، أو ما إلى ذلك، فيكون لك مرادات، ويكون للبلغاء مرادات
استمع الى المقطع الصوتي
وراء تعريف المسند إليه مُعرَّفًا باسم الإشارة، فأنت إذا أردت أن تعظم المسند إليه تذكره بأداة البعد، أي اسم الإشارة الدال على البعيد، ومن ذلك قول ربنا:- {ذَلِكَ الْكِتَابُ}، والشاهد في قوله:- "ذَلِكَ"، حيث وقع المسند إليه اسم إشارة للبعيد دلالة على تعظيم القرآن الكريم، وقد تذكره باسم الإشارة للقرب دلالة على التحقير، وهذا أمر كله خاضع لسياق الكلام والأحوال التي يلقى فيها القول، كذلك أيضا يمكن أن تذكره مُعرَّفًا بالموصولية، ويكون وراء تعريفه بالموصولية أسرار بلاغية،
استمع الى المقطع الصوتي
وإيحاءات بلاغية تستطيع أن تستخرجها بمعونة النظر إلى سياق الحال وسياق المقال، فقد يعرف المسند إليه بالموصولية أى بالاسم الموصول، والأسماء الموصولة معروفة الذي التي إلى آخر هذه الأسماء، قد تذكره مُعرَّفًا بالموصولية تريد من وراء ذلك تعظيمه أو تهويله، أما التهويل فقوله - تعالى:- {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، ومثل ذلك يقال أيضًا من الأسرار وراء تعريف المسند إليه بالإضافة، وكذلك أيضا ترى أسرارًا لتنكير المسند إليه، فأنت تريده منكرًا لأغراض بلاغية، مثل التكثير:- {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}.
استمع الى المقطع الصوتي
فالمسند إليه هنا في الآية الكريمة هو قول ربنا:- "رُسُلٌ" فـ"رُسُلٌ" هنا جاء منكرًا، والتنكير يفيد التكثير، والتكثير دلالته في هذا السياق تعين نبينا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الصبر والتحمل، حيث يذكر له ربنا إنما حدث لك يا محمد إنما حدث لكثير من إخوانك من الأنبياء، فيكون ذلك عونًا له - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الصبر وتسلية له - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما هو فيه، كذلك أيضًا يمكن أن يقع المسند إليه مقدمًا، ويكون وراء تقديم أسرار بلاغية ودقائق بلاغية أيضًا، فأنت حين ما تريد التعجيل بمسرته بمسرة المخاطب تذكر المسند إليه مقدمًا،
استمع الى المقطع الصوتي
وحينما أيضًا تريد أن تنذر من أخطأ، تعجل بذكر المسند إليه، كقولك القصاص حكم به القاضي، فبدل أن تقول القاضي حكم بالقصاص، أو حكم القاضي بالقصاص تقول القصاص حكم به القاضي تريد أن تعجل مساءلته، وقد يقدم المسند إليه للتبرك، وهكذا ترى أن المسند إليه الذي - كما أسلفنا القول - يعادل في علم النحو المبتدأ أو الفاعل، ترى وراء ذكره أسرارًا ووراء حذفه أسرارًا، ووراء تقديمه أسرارًا ووراء تعريفه أسرارًا، ورد في الدرس بعضها، وليس ذلك على سبيل الحصر؛ لأن الحصر لا يمكنه أن يتأتى، لماذا؟ لأن الأساليب تتكاثر، والأحوال تتجدد، كما أسلفنا القول.
ومع درس آخر بعد ذلك إن شاء الله.