بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيْدِنَا رَسُولِ اللَّهِ أما بعد فمع الدرس الرابع من مقرر البلاغة العربية عنوان درسنا:- (أسرار حذف المسند وأسرار ذكره وتنكيره وتقديمه وحذف المفعول وتقديم بعض المعمولات). في الحقيقة هذا الدرس يشكل الجزء الثاني الأساسي من أجزاء الجملة العربية في إطار علم المعاني الذي يعرفنا كيف نبني الجمل بناءً بلاغيًّا، وكيف نستخرج البلاغة من بناء الجمل، فالمسند هو الذي يشكل الشق الثاني لصنوه الأول المسند إليه. وهنا نحن سنتوقف عند أسرار حذفه، لماذا يحذف المسند ولماذا يذكر؟ ولماذا ينكر؟ ولماذا يقدم؟

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
أما أسرار ذكر المسند وسنذكرها على السريع لماذا؟ لأنه في الغالب يذكر المسند؛ لأن الأصل أن يكون مذكورًا؛ لأنه يشكل الشق الثاني في بناء الجملة، ولكن قد توجد أحوال يجوز أن يحذف فيها المسند، ولكن توجد هناك أسرار وراء ذكره، مثل ماذا؟ كأن يطول الكلام، فإذا طال الكلام هنا أنت فى حاجة إلى أن تنبه السامع فتعيد ذكر المسند مرة أخرى، كما لو قلت مثلًا أو في الآية الكريمة:- {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء}، لو حذفت كلمة ثابت ربما لا يتنبه السامع، أو ربما يحدث التباس في المعنى، يعني لو قلت في غير القرآن أصلها وفرعها في السماء

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
هنا ليس كل سامع يستطيع أن يضع كلمة "ثَابِتٌ" أو أن يقدر كلمة "ثَابِتٌ"، وإنما قد يظن أن الأصل والفرع في السماء، وأن الشجرة برمتها في السماء، ولكن مراد الله ليس كذلك، مراد الله يريد أن يقول إن الكلمة الطيبة تتصل الأرض فيها بالسماء، بحيث يكون جذرها في الأرض، ويكون فرعها في السماء، فهنا لو حذفت كلمة "ثَابِتٌ"، في غير القرآن لا يتنبه إليها كل مستمع، فمن أجل هذا تذكر لضعف تنبه السامع إليها، كذلك أيضًا فى مقامات الحجج ومقامات الجدل، دائمًا كل واحد يريد أن يذكر حجته مؤكدة، فترى ذلك واضحًا في القرآن الكريم:- {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}، فالقرآن هنا كلمة "يُحْيِيهَا" وهى هنا مسند؛ لأن المسند باختصار هو ماذا؟

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
المسند إما أن يكون فعلًا في الجملة الفعلية، وإما أن يكون خبرًا في الجملة الاسمية إما أن يكون فعلًا أو ما يقوم مقامه أو يكون خبرًا أو ما يقوم مقامه هذا هو المسند، فهنا إجابة عن سؤال:- {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}، فأعاد كلمة "يُحْيِيهَا" وكان يمكن أن يُسْتَغْنَى عنها، لكن نحن هنا في مقام الحجج، فمن أجل ذلك يذكر القرآن الكريم المسند، فهذا من أغراض ذكره، وهناك أغراض أخرى يمكن أن تراجع في مظانها، لكن الأغراض دائمًا تكثر وراء الحذف؛ لأن الحذف هو خلاف الأصل، فما جاء على خلاف الأصل دائمًا تكثر أسراره، فلذلك ترى البلاغيين يتحدثون في حذف المسند أكثر مما يتحدثون في ذكره، ثم ماذا؟ ثم إن الحذف أيضًا له ضوابط، فأنت لا يجوز أن تحذف من الكلام ما شئت وقتما تشاء، ولكن لابد أن يكون عندك قرائن وأدلة ترشد إلى أن المحذوف من الكلام هو كذا وأن تعينك على التنبيه

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
فمما ذكروه من حذف المسند ضيق المقام، ما معنى ضيق المقام؟ يعني ربما تقول هذه الكلمة هي التي ستجعل الوقت ضيقًا، لا ليس المراد من حذف المسند أو المراد من ضيق المقام، يعني أن المساحة الكتابة لا تتحمل أو مساحة الكلام لا تتحمل لا، ولكن دائمًا هذا رمز في الكلام، يعني أنا احذف من الكلام ما يضيق صدري به، وكأني أعلن للمتلقي وللمخاطب والمستمع أنني أضيق ذرعًا بهذا لدرجة أنني لا أطيق ذكره، فمن أجل ذلك تجد هذا واضحًا في كلام الشاعر حينما يقول:- نَحنُ بِما عِندِنا وَأَنتَ بِما عِندَكَ راضٍ وَالرَأيُ مُختَلِفُ

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
أصل الكلام نَحنُ بِما عِندِنا راضون وَأَنتَ بِما عِندَكَ راضٍ والرأى مختلف، ولكن لأن الشاعر يضيق ذرعًا ولا يرضى عن هذا، فحبسه من الكلام، فقال:- "نَحنُ بِما عِندِنا وَأَنتَ بِما عِندَكَ راضٍ"، أراد بحذف هذه الكلمة أن يدل على أنه يضيق صدرا بالرضا عن هذا الأمر، فمن أجل ذلك قالوا قد يحذف المسند لضيق المقام عن ذكره، أي للدلالة على أن صاحبه ضيق الصدر، ومما ذكروه أيضًا في هذا أن يكون حذف المسند إتباعًا لاستعمال الوارد:- {لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}، فمعروف أن خبر لولا هنا محذوف وجوبًا، فهذه طريقة العرب، وهذا كلام العرب، لكن في الحق أنا أقول:- إذن فلماذا اختير هذا الأسلوب بالذات ليعبر هذا التعبير؟

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
فأنا أقول:- إن وراء اختيار الأساليب التي يجب حذف المسند منها - أو وراء ذلك أيضا - أسرارًا تتعلق بحذفه؛ لأن اختيار الأسلوب في ذاته - مع أن هناك سعة في الأساليب العربية - يعد أمرًا تكمن وراءه أسرار بلاغية، كذلك أيضًا ذكر البلاغيون أغراضًا لتعريف المسند وتنكيره، فقالوا:- إن المسند حينما يأتي مُعَرَّفًا والمسند إليه بالطبع لابد أن يكون مُعَرَّفًا، أنت تريد هاهنا زيادة في المعنى، تريد أن تجعل الأسلوب أسلوب قصر، أسلوب قصر ماذا؟ أن تجعل الخبر خاصًا بذلك المبتدأ أن تجعل المسند خاصًا بذلك المسند إليه، فأنت حينما تقول:- "محمد خاتم الأنبياء"، محمد مبتدأ، خاتم الأنبياء خبر، فهذا مُعَرَّف، وهذا مُعَرَّف، مع أنك قصرت ختم الأنبياء على محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا على سواه.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
فيكون مرادك من تعريف المسند إليه هنا قصره على المسند إليه وتخصيصه به، بحيث لا يتعداه إلى سواه، كذلك أيضًا يمكن أن تعرف الخبر لتفيد تفخيمه وتعظيمه، أما تقديم المسند فالغرض العام والغرض الأساسى من وراء ذلك أنك تخصصه بالمسند إليه:- {لِلّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} فـ"لِلّهِ" خبر مقدم و"مُلْكُ" مبتدأ مؤخر، فأنت قصرت ملكية السموات والأرض على الله حيث لا تتعداه إلى سواه، وهذا معنى وراء هذا التقديم، ويمكن أيضًا أن تؤخر المسند إليه لتشوق إليه، فتجعل السامع يستعد وينتبه ويعد نفسه ثم تذكر له بعد ذلك المسند إليه مؤخرًا ليقعد بعد ذلك في النفس بعدما شوقته إلى ذلك

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ويمكن أن يكون وراء ذلك العناية، ويمكن أن يكون وراء ذلك الاهتمام وأشياء أخرى كثيرة، أما حذف المفعول، فالمفعول من مكملات الجملة، أما حذف المفعول فوراءه أيضا أسرار، أسرار منها ماذا؟ منها أنك توجه العناية على الفاعل بمعنى ماذا؟ بمعنى أنك لا تريد أن توقعه على مفعول مخصوص، ولكن أنت توقعه على كل مفعول يمكن أن يوجد، فحينما تقرأ قول أبو العتاهية:- هِيَ الدُّنْيَا اِذَا كَمُلتْ وتَمَّ سرُورُها خَذَلتْ "خَذَلتْ" من؟ لو قلت خَذَلتْك، والكاف هنا هي المفعول به، فقد جعلت خذلان الدنيا موجهًا لهذا الشخص بالذات، وهذا أيضا له مقامته، حينما تريد أن تؤكد على كثرة مصابه وعظم مصابه تقول هذا الكلام.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
ولكن حينما تحذف تريد أن تقول:- إن الدنيا من شأنها خذلان الجميع، خذلان الكل، فلذلك تحذف المفعول به تريد بذلك التعميم، وقد تحذف المفعول به تريد احتقاره، فلذلك تنزه اللسان على أن يذكره، وكذلك حتى وارد في كلام الناس، وتراه رائعًا في الذكر الحكيم في قول ربنا:- {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} أَغْلِبَنَّ من؟ الكفار المنافقين اليهود النصارى، حذفهم هنا احتقارًا لذكرهم، وبيان بأن غلبة الله أقوى لكل شيء. شيء أخر تراه في التقديم، حينما تقدم بعض المعمولات على بعض، فمثلًا هناك تقديم اعتباري لبناء الجملة، أن تأتي في الأصل بالمبتدأ أولًا، ثم الخبر ثانيًا، ثم المفعول به ثالثًا، ثم ظرف الزمان أو المكان، ثم الجر والمجرور

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي
فحينما تجد جملة فيها هذه الأشياء كلها، ثم تقدم مثلًا ظرف الزمان على المفعول به أو تقدم المفعول به على الفاعل، أو ما إلى ذلك تكمن وراء هذا التقديم أسرار، هذه الأسرار لا يمكنك أن تحصرها، نعم أنت تقدم الأهم عندك، ولكن بقيت البلاغة في أنه لابد أن تشرح تلك الأهمية، وأن توضحها، وأن تفصلها، هذا هو الأمر، وهذه هي البلاغة، فلذلك درس تقديم بعض المعمولات على بعض درس رائع ومتسع ومستفيض في النصوص العربية العالية الراقية لمن أراد أن يتأملها ويستخرج أسرارها، دون أن يكون هناك حد لهذه الأسرار أو حصر لهذه الأسرار، ولكن السياقات هي التي تهدي، وهي التي ترشد دائمًا إلى ضبط الأسرار البلاغية واستخراجها. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيْدِنَا مُحمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ.

Texte alternatif

استمع الى المقطع الصوتي