بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مع الدرس الخامس من دروس مقرر البلاغة للسنة الأولى في برنامج التعليم الإلكتروني عن بعد، عنوان درسنا أيها الأحبة:- (أسلوب الالتفات وأسلوب الحكيم والقلب والتغليب)، فهي عدة أساليب استخدمها البلاغيون مجموعها في هذا الدرس أربعة أساليب:- نبدأ فيها بدرس أو بأسلوب الالتفات، وأسلوب الالتفات من الأساليب الذكية التي تنشط الذهن والتي تسير انتباه السامعين فهو أن تعبر عن المعنى بطريق ثم بعد ذلك تنتقل إلى طريق آخر والطرق المرادت فى هذا الدرس.
استمع الى المقطع الصوتي
المقصود بها طرق الضمائر الغيب أو التكلم أو الخطاب، فمن اجل هذا تنحصر صور الالتفات في صور ست، الصورة الأولى:- أو نعطى بعض النماذج منها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، بمعنى أن تبدأ الكلام بضمير التكلم، ثم بعد ذلك تنتقل إلى ضمير الخطاب، من ذلك قوله - تعالى - في الآية من سورة يس:- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
استمع الى المقطع الصوتي
"وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ"، أي "لاَ أَعْبُدُ" هنا المتكلم ضمير المتكلم، "فَطَرَنِي" الياء ياء المتكلم، ثم ينتقل ربنا - تبارك وتعالى - بالأسلوب بعد ذلك إلى ضمير الخطاب:- "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"، فبهذة الطريقة يكون هناك تنشيط للذهن وإثارة للانتباه، وكأنه يتكلم عن أحد آخر، ومثل هذه الصور تراها أيضًا، فىالالتفات من الخطاب إلى الغيبة كقوله - تعالى:- {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ}، تأمل "كُنتُمْ" ضمير خطاب {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} الحظ "بِهِم" هنا ضمير غيبة، و"هُم" هذا الضمير في "بِهِم" هم المخاطبون أنفسهم فى الضمير "كُنتُمْ".
استمع الى المقطع الصوتي
وكأنه - سبحانه - يحدثنا عن قوم آخرين غير الذين خاطبهم بضمير الخطاب، وعند التثبت والتأمل نرى صنف المخاطبين واحدًا، إذن هنا فائدة هذا العدول حكاية الحال، ما معنى حكاية الحال؟ معنى حكاية الحال أنهم حين الخطاب:- (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ) كانوا واعين، وحينما جرت بهم الريح نسوا تلك الحالة التي كانوا عليها من الخوف والرعب، فكأنهم صاروا غيبًا عن الحال الأول، وذلك يكشف لنا عن تناسي بني الإنسان لنعم الرحمن عليهم حال الاضطرار، فهم حال الاضطرار يتذكرون وحال الإنعام يغفلون.
استمع الى المقطع الصوتي
ولذلك يأتي أسلوب الالتفات لينشط الذهن، ويثير الانتباه حتى يتأمل هؤلاء، فهو له صور ست وموجودة في كلام العرب وموجودة في الاستخدامات القرآنية، خذ مثلًا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، قال - تعالى:- {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا}، (قَالُوا) هذا خطاب غيبة (لَقَدْ جِئْتُمْ) خطاب ضمير خطاب أي خطاب حضور، وهذا العدول عن الغيب في (وَقَالُوا) إلى الخطاب في (جِئْتُمْ) زيادة توبيخ لهم؛ لأن مواجهة المجرم بإجرامه فيها شديد توبيخ لهم، وهو اسواقية السور الأخرى تستوفى من خلال الموجود على الموقع فلينظر هناك بتوسع.
استمع الى المقطع الصوتي
الأسلوب الحكيم أسلوب آخر من الأساليب التي تحتاج إلى ذكاء، ثم أنهم الأساليب الدبلوماسية التي تخرج الإنسان عند الضيق من المآزق فهي، تشكل وسائل يستطيع المتكلم أن يخرج بها من هذه المآزق، ولذلك أسلوب الحكيم يجري على طريقتين، أما أن تتحدث أنت عن غير ما سئلت عنه، وكأنك تنبه المتكلم إلى أنك أخطأت، وينبغي أن تتحدث عن كذا، فإذا أراد أن يحاسبك على هذا، ويقول لك:- أنت تُخَطِّئُني في قولي لا تستطيع إلى ذلك سبيلا،ً لماذا؟ لأنك لم تقل هذا صراحة وإنما أفهمته هذا على سبيل الفحوى.
استمع الى المقطع الصوتي
وعندنا حادثة مشتهرة نذكر بعضها بين الحجاج وابن القبعثرى، ومعروف الحجاج بأنه كان شجاعًا، ولا نقول ظالمًا؛ لأن الحجاج قد ظلم، كان شجاعًا، وكان يخيف كل المخطئين، وكان يخيف غيرهم، فقال الحجاج لابن القبعثري هذا:- لأحملنك على الأدهم، الأدهم له فى اللغة معنايان:- إما يكون الأدهم بمعنى القيد الذي يقيد به المسجون، وإما أن يكون الأدهم بمعنى الفرس الذي له هذا اللون، فالحجاج قال لابن القبعثرى:- لأحملنك على الأدهم، فرد ابن القبعثرى قائلا:- مثل الأمير يحمل على الأدهم، والأشهب، فمراد الحجاج بالأدهم القيد، اي لأسجننك، وأقيدك بالأدهم بالقيد الأدهم، ولكن المخاطب ابن القبعثرى رد بغير مراد الحجاج.
استمع الى المقطع الصوتي
فقال:- مثلك أيها الأمير يحمل على الأنواع الخيول الجيدة من أمثال الأدهم والأشهب، فالحجاج قال له:- ويحك إن الأدهم القيد، وإنه حديد، ويحك إنه حديد، فقال ابن القبعثرى:- لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدًا، فحمله على كلامه هو، إذن هنا هذا الحوار الرائع - البلاغي الرائع - بين هذين المتكلمين حوار أعان عليه الأسلوب الذي يسمى الأسلوب الحكيم، كذلك أيضًا يأتي على طريق آخر أن يجيب السائل بغير ما يطلب.
استمع الى المقطع الصوتي
فربنا - سبحانه وتعالى - حينما أنزل قوله تعالى:- {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}، لم يكن سؤال الصحابة عن فائدة الْأَهِلَّةِ، وإنما كان سؤالهم - رَضِوَانُ اللهِ عَلَيْهِم أجمعين - عن سر وجود الهلال صغيرًا، ثم يكبر ثم يكبر، ثم بعد ذلك ينمحق، فقالوا كان سؤالهم عن هذا السر، فرد ربنا - سبحانه وتعالى - أنزل القرآن:- {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}، وهذا سؤال أو هذا كلام يقال عن سؤال ما فائدة الْأَهِلَّةِ وهم لم يسألوا عن فائدتها فلما أنزل ربنا هذا الكلام بهذا النظم الحكيم، فهم الصحابة أنهم ما كان ينبغي لهم أن يسألوا إلا عما يفيدهم فى حياتهم العملية، وليس لهم أن يسألوا كل الأسئلة وإنما لابد أن يختار السائل سؤاله.
استمع الى المقطع الصوتي
وهذا الأسلوب في كلام العرب من الأساليب النادرة؛ لان الأذكياء من أهل العربية هم الذين يستخدمونها، كذلك أيضًا عندنا أسلوب القلب، وأسلوب القلب من الأساليب التي تحتاج إلى تمهل في فهمها، وتثبت في إدراكها، فالقلب نوعان:- إما يكون قلبًا في اللفظ، وإما أن يكون قلبًا في المعنى ففي قلب اللفظ قال الشاعر:-
قفي قبل التَّفَرُّق يَا ضياعا
إلى آخر هذه الأبيات، وهو يريد بذلك - سنجد أن الشاعر عرف الوداع، وهي في الجملة في موضع خبر.
استمع الى المقطع الصوتي
ونَكَّر موقف، وهو في موضع اسم كان، والأصل أن يكون التنكير للخبر، والتعريف للمبتدأ، إذن الذي يدرك هذا الأسلوب لابد أن يكون عارفًا بقواعد النحو، وما ينبغي أن يُنَكَّر من الأجزاء الجملة، وما ينبغي أن يُعَرَّف منها، ولكن الشاعر قلب الأمر، فنَكَّر ما ينبغي أن يُعَرَّف، وعَرَّف ما ينبغي أن يُنَكَّر على سبيل القلب، فهو يدعو إلى تنبه السامع، وقد يكون القلب معنويًّا، كان تقول أدخلت الخاتم في الإصبع، فالأصل انك تدخل الإصبع في الخاتم ولا تدخل الخاتم في الإصبع فتقلب المعنى. ومن الأساليب الكثيرة أيضا في مواقعها من كلام العرب أسلوب التغليب
استمع الى المقطع الصوتي
وأسلوب التغليب أن تضمن المذكر المؤنث أو المؤنث المذكر، أو ما إلى ذلك، والعاقل غير العاقل، وهو كثير شائع في القرآن الكريم، وفي النصوص المبدعة. مثلًا يستخدم اسم الموصول "ما" غالبًا في غير العاقل، ويستخدم اسم الموصول "من" غالبًا في العاقل، ولكننا نرى القرآن الكريم يستخدم ذلك على سبيل التغليب كقوله - تعالى:- {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}، فـ"مَا" في الآية الكريمة اسم موصول يدل على غير العاقل، ولكننا حين التأمل نرى أن السموات والأرض فيها عقلاء وفيها غير عقلاء، ولكن لقلة نوع العقلاء فيها من الإنس والجن والملائكة وكثرة الأنواع الأخرى أدخل العقلاء مع غير العقلاء على سبيل التغليب.
استمع الى المقطع الصوتي
وفي هذا الأسلوب احترام لعقل المتلقي، وإدراك لقيمة عقل المتلقي؛ لأن المتلقي سيستطيع فرز هذه الأشياء وحده، وهذا موجود كما قلت في الكلام، فنحن نقول لك أبوان، والمراد لك أب وأم، فتغلب المذكر على المؤنث، وتقول القمران، تقصد الشمس والقمر، فتدخل الشمس المؤنثة على سبيل التغليب مع المذكر، وهو أسلوب كثير الوقوع كما أسلفت، وله أسرار ودقائق، ذكرنا بعضها، وليستوفَ في موضعه. ونختم هذا الدرس ونلتقي في درس مقبل إن شاء الله