يتناول هذا الدرس تعريف التشريع, والفرق بينه وبين الشريعة, والمراد بتاريخ التشريع, وأنواعه, وبيان النوع المعنى بالدراسة هنا, وبيان أهم الفروق بين التشريع الإلهى والتشريع الوضعى.
الإنسان مخلوق لله - عزوجل - ومكلف بتكاليف شرعية، وهو كائن اجتماعي بطبيعته، له حاجات متعددة لاستمرار واستقرار حياته، وقد تتعارض حاجاته مع حاجات الآخرين، ولذا فهو بحاجة إلى تشريع ينظم علاقته بربه وعلاقته بمجتمعه.
) [1] تارخ التشريع الإسلامي) لمناع القطان ط مؤسسة الرسالة بيروت 1997م، (مصادر التشريع الإسلامي وأطواره) للأستاذ الدكتور عباس شومان ـ ص 5 ط ـ الدار الثقافية بالقاهرة.
تاريخ التشريع له نوعان هما:-
1- التشريع الإلهي أو الديني.
2- التشريع الوضعي.
وإليك تفصيل ذلك:-
يقصد بالتشريع الإلهي أو الديني كل ما جاء به الرسل من عند ربهم تكليفًا لخلقه يبنى عليه الوصف بالطاعة أو المعصية، ومايترتب عليهما من الثواب أو العقاب.
يقصد بالتشريع الوضعي مجموعة الأسس والقوانين التي وضعها القائمون على أمور الرعية من عند أنفسهم طلبًا لضبط أمور الرعية، ويلاحظ هنا أمر قيد مهم، وهو {مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ} حتى لا يدخل في التشريع الوضعي الأحكام الشرعية الناتجة عن اجتهاد الفقهاء، فهي من التشريع الديني؛ لأنها ليست من عند الفقهاء، وإنما هي من مصادر التشريع الديني، بخلاف التشريع الوضعي، فهو من عند البشر أنفسهم اعتمادًا على خبرتهم وحكمتهم وتقديرهم لما يحقق المصلحة.
الذي نعني بدراسته في تاريخ التشريع هو [التشريع الديني الإسلامي خاصة].
1- التشريع الديني:- صالح لكل زمان ومكان؛ لأنه من عند خالق الزمان والمكان والإنسان المقصود بالأحكام.
2- التشريع الوضعي:- فقد يصلح لزمان ولايصلح لزمان آخر في نفس المكان، وقد يصلح لمكان ولايصلح لمكان آخر في نفس الزمان، لاختلاف طبائع الناس وعاداتهم ومستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك.
1- التشريع الديني:- يثيب الطائع على طاعته، ويعاقب العاصي على معصيته.
2- التشريع الوضعي:- يعاقب فقط، ولامجال فيه للثواب.
1- التشريع الديني:- العقاب فيه دنيوي وأخروي, فالدنيوي يتمثل في إقامة الحد على مرتكب موجبه أو القصاص على القاتل أو الدية وغير ذلك من العقوبات، والأخروي وهو العقاب من الله - عزوجل - إن لم يبرأ من جريمته في الدنيا بعقاب أو توبة.
2- التشريع الوضعي:- العقاب فيه دنيوي فقط.
1- التشريع الديني:- ينظم علاقة الفرد بخالقه بأبواب العبادة المعروفة، وعلاقة الفرد بمجتمعه وهو مايعرف بأبواب المعاملات.
2- التشريع الوضعي:- ينظم علاقة الفرد بمجتمعه فقط.
1- التشريع الديني:- العدالة فيه مطلقة، فهو لايفرق بين غني وفقير وشريف ووضيع، فالكل أمام التشريع سواء.
2- التشريع الوضعي:- كثيرًا ما يشوبه الخلل في التطبيق ويدخله الهوى والميل.
1- التشريع الديني:- لا إمكان لمجرم فيه من الإفلات بجريمته من العقاب؛ لأنه وضع لكل مخافة نوعين من العقاب، أحدهما دنيوي:- كالجلد والرجم وقطع الأطراف، وأخروي:- وهو العقاب من الله - عزوجل، فإن أفلت من عقاب الدنيا لعدم ثبوت الجريمة عليه فلن يفلت في الآخرة.
2- التشريع الوضعي:- فإن أفلت المجرم من العقوبة لعدم ثبوت الجريمة عليه، فإن الجاني يعد بريئًا يتمتع بالأمن والأمان وحماية القانون الوضعي له.
1- التشريع الديني:- العقوبات فيه ملائمة لطبيعة الجرائم وكافية للزجر عنها؛ لأنه من عند الحكيم الخبير.
2- التشريع الوضعي:- العقوبات فيه كثيرًا ما تفشل في الزجر عن الجرائم؛ لأنها من وضع البشر.
1- التشريع الديني:- يتعلق ويعالج أفعال القلوب والجوارح معًا؛ لأنه مثلًا يحرم الظن كما يحرم القتل.
2- التشريع الوضعي:- يتعلق بعمل الجوارح فقط.
1- التشريع الديني:- يُعد التائب قبل القدرة عليه بريئًا من الجريمة وعقابها مالم يتعلق بها حق آدمي.
2- التشريع الوضعي:- فلا علاقة له بتوبة التائب، فلا يُعَد المجرم بريئًا إلا بتطبيق العقوبة عليه.
يتبين بجلاء ووضوح من الفوارق السابقة أنه لاوجه للمقارنة بين التشريعين، وأن البون - الفرق - بينهما شاسع، وأن التشريع الديني أعم وأشمل وأقدر على ضبط حركة المجتمع، وتنظيم العلاقة بين أفراده وخالقهم وبين بعضهم البعض، مع حرصه على تحقيق متطلبات حياتهم من الضروريات والحاجيات والتحسينات دون الاعتداء على حقوق الآخرين.