يتناول هذا الدرس الحديث عن مميزات التشريع الإسلامي والتي من أهمها:- قلة التكاليف, ونفى الحرج عن المكلفين, والتدرج في التشريع, مع ذكر نماذج لهذا التدرج كالتدرج في تحريم الخمر والربا والرق, وبيان ما يندرج تحت كل من هذه المميزات من نصوص وأدلة تؤكد هذا المعنى وتوضحه.
سبق القول بأن التشريع الإسلامي هو الأقدر على تحقيق مصالح الناس وتنظيم علاقاتهم بخالقهم وتنظيم علاقة بعضهم ببعض، وتشريع كهذا لابد أن يكون متميزًا بجملة من الخصال التى بوأته هذه المكانة العظيمة عن غيره من التشريعات السماوية والوضعية, وهذة المميزات كثيرة نذكر منها ما يلي:-
1- قلة التكاليف.
2- نفي الحرج عن المكلفين.
3- التدرج في التشريع.
وإليك تفصيل ذلك:-
تميّز التشريع الإسلامي مع شموله لكل مناحي الحياة ومايعرض للناس في حياتهم، وتنظيم علاقاتهم مع الخالق والخلق، وما يتطلبه ذلك من كثرة الضوابط والتوجيهات بأنه جمع ذلك كله في إعجاز غير مسبوق في نصوص قليلة يستطيع المرء حفظها والوقوف عليها فقد حاول العلماء حصر آيات الأحكام، وذكر عددها على ما يلى:-
1- فقال بعضهم:- إنها مائة وخمسون آية (150).
2- قال البعض الآخر:- إنها خمسمائة آية (500).
3- غاية ما بلغ العادُّون لها أنها ثمانمائة وستون وأربع آيات (864).
وحتى هذا القدر الأخير إذا ما قورن بآيات الذكر الحكيم التي تربو - تزيد - على الستة آلاف آية تكون قليلة جدًّا، ناهيك عن عددها عند أصحاب الرأي الأول المتناهي في القلة، وهذا إعجاز يعجز عنه غير القرآن الكريم، ويدل في ذات الوقت على أن التكاليف ـ وهي ثقيلة على البشر بطبيعتهم - قليلة في تشريعهم من باب التخفيف عنهم.
الناظر في جملة التشريعات الإسلامية يلاحظ أن القاعدة في التشريع هي نفي الحرج عن المكلفين ويتجلى هذا المبدأ في أمرين:-
1- عدم التكليف بما لا يطاق.
2- تشريع الرخص.
أول مبدأ يضهر من خلاله ميزة نفي الحرج عن المكلفين هو عدم تكليفهم بما لا يطاق؛ فلم تكلفهم بما لا يطيقون كالطير في الهواء أو المكث تحت سطح الماء أو ترك النوم كلية أو النوم أبدًا، وغير ذلك مما لا يتناسب وطبيعة البشر، فإن كان في مقدورهم جزء كترك بعض النوم أو الطعام والشراب زمنًا يسيرًا كلفوا به كما في الصيام والقيام، وإن كان الأمر كله غير مقدور لم يكلفوا به أصلًا كالطير في الهواء، وفي إرساء هذا المبدأ يقول الحق - جل وعلا:- {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ويقول:- {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}، ويقول:- {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}، ولم يقل خذ أموالهم.
لما كان الإنسان بطبعه لا يناسبه الانتقال من حال إلى حال دفعة واحدة، لا سيّما إن كان الانتقال من النقيض إلى النقيض، فقد راعى التشريع ذلك باتباع طريقة التدرج من الأخف إلى الأشد وصولًا إلى مقصود الشرع النهائي، ولهذا التدرج أنواع هي:-
1- التدرج في الدعوة.
2- التدرج في التكاليف بصورة عامة.
3- التدرج في تشريع الأمر الواحد.
1- سرية الدعوة:- كانت الدعوة في البداية سرية؛ لأن ظروف المجتمع الجاهلي لم تكن مهيئة للجهر بها.
2- الجهر بالدعوة:- حين تهيأت الظروف للجهر بالدعوة حيث أصبح للإسلام بعض الرجال الذين يمكنهم حمل عبء الدفاع عن الإسلام أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجهر بالدعوة، {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ}.
1- إن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بداية الأمر كان يدعو عشيرته:- {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}.
2- ثم أمر بدعوة أهل مكة وماجاورها:- {..لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}، ثم أمر بدعوة العرب كافة:- {..لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}.
3- ثم أمر بدعوة الناس كافة:- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.
1- في البداية كانت الدعوة بالموعظة فقط:- } ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}.
2- الصبر على الأذى وعدم الرد بالقوة:- {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ}, {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}
3- وبعد أن أصبح للمسلمين قوة ومنعة أذن لهم أن يدافعوا عن أنفسهم:- {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}، و{فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ }، و{ وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}
4- وبعد اكتمال القوة وزوال عذر المشركين حيث تعرفوا على الدين الحق واستمر عنادهم شرع الجهاد:- {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...}.
ثم إن التدرج يراعى حتى في هذه المرحلة الأخيرة وهي مرحلة استخدام القوة، فقتال المشركين متدرج، يبدأ بدعوتهم للإسلام، ثم عقد الجزية إن لم يقبلوا الإسلام، ثم القتال كحل أخير:- { قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.{
التدرج في التكاليف بصورة عامة هو النوع الثاني من أنواع التدرج في التشريع الإسلامي حيث لم تشرع التكاليف من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك دفعة واحدة، بل كان الناس يدعون أولًا إلى توحيد الله والاعتراف بالرسالة فقط. ثم شيئًا فشيئًا شرعت الشرائع حتى أكتمل التشريع قبيل وفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا}.
التدرج في تشريع الأمر الواحد هو النوع الثالث من أنواع التدرج فى التشريع الإسلامي حيث صادف الإسلام بعض المشكلات المتأصلة في المجتمع الجاهلي، والتي تحتاج إلى حكمة وعلاج ناجع لحلها كمشكلة الخمر، والربا، والرق، وكان للإسلام منهجه الرائع في حلها، حيث تدرج بالناس من التهيئة لتقبل تحريمها، ثم التحريم الجزئي، ثم الكلي كما فعل في قضيتي الخمر والربا، أو اتخاذ التدابير التي تقضي على الأمر بدون تحريم كما في قضية الرق، حيث ضيق موارده، فحصرها في خيار من خيارات أربعة في الأسرى غالبًا لا يكون هو الأنسب، ووسع منافذه بالحث على العتق، وجعله بعض خصال الكفارة الكبرى، كمن قتل خطأ أو أفطر عمدًا في رمضان أو ظَاهَر من زوجته، فانتهى أمره بغير تحريم.
هناك نماذج كثيرة توضح كيفية تدرج التشريع الإسلامى في تشريع الأمر الواحد منها ما يلي:-
1- قضية تحريم الخمر.
2- قضية تحريم الربا.
3- قضية الرق.
مر تحريم الخمر في التشريع الإسلامي بعدة مراحل هي:-
1- مرحلة التهيئة.
2- مرحلة التحريم الجزئي.
3- مرحلة التحريم الكلي.
وذلك في قوله - تعالى:- {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [سورة البقرة:219] فلا تحريم للخمر في الآية وإنما بيان أنه لا خير فيها وصاحب العقل الراجح يتقول تحريمها مستقبلًا؛ لأن الشرع يتنزل، وما لاخير فيه لايأمر به الشرع ولايقره.
وذلك فى قوله - تعالى:- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}[سورة النساء:43] فالخمر حرام بهذه الآية لمن هو مقبل على الصلاة، وعليه تركها قبل الصلاة بوقت كاف وهو الوقت الذي يبقى تاثير الخمر فيه على شاربها مضروبًا في خمس مرات في اليوم هو عدد الصلوات مضافًا إليها وقت العمل والسعي على الرزق والنوم، فلا يبقى له كثير وقت يباح له فيه الشرب، ولذا يسهل عليه الترك عند التحريم الكلي.
وذلك في قوله - تعالى:- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[سورة المائدة:90] فلم يصادف الناس كثير عناء في ترك الخمر بالكلية عند نزول هذا النص، بل إن كثيرين منهم كانوا قد أقلعو عنها بالفعل.
مر تحريم الربا في التشريع الإسلامي بعدة مراحل أيضًا هي:-
3- مرحلة التحريم النهائي.
وذلك في قوله - تعالى:- {فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}[سورة النساء: 161,160] الآية تتحدث عن اليهود فإذا كان الربا حرم عليهم فقد يحرم علينا أيضًا فلنستعد لذلك وهو ما حدث.
وفي هذه المرحلة نزل أيضًا خطاب موجه لنا نحن المسلمين وهو قوله - تعالى:- {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ} [سورة الروم: 39] فهي مجرد مقارنة تبين أن الزكاة أفضل من الربا من دون تحريم، ولكنها كافية لإيقاظ العقول وتنبيه ذوي الألباب لما سيكون من أمرها.
وذلك في قوله - تعالى:- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران:130]، فحرمت الفائدة التي تزيد على أصل الدين وتتضاعف وهو مايعرف في زماننا بالفائدة المركبة وسكتت عن قليل الفائدة ولكنها ضربت تجارة الربا في مقتل.
وذلك في قوله - تعالى:- {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...} الآية [البقرة:275] فجنس الربا حرام وإن قل.
من الطرق البديعة ما استخدمه الشرع في القضاء على الرق الذي كان سائدًا قبل الإسلام وصدرا من من غير أن يحرمه، وذلك ببعض التدابير الموصلة إلى مقصود الشرع في التخلص منه، وذلك بما يلي:-
1- مرحلة تضييق الموارد للحد من الرق.
2- مرحلة توسيع المنافذ للتخلص من الرق.
حيث كانت طرق الدخول في الرق كثيرة كالقهر والغلبة والسطو وقطع الطريق والعجز عن الوفاء بالدين...إلخ فحصرها الشرع في أسرى الحرب بين المسلمين والكفار، وجعلها خيار من خيارات أربعة هي:-
1- القتل.
2- أخذ الفدية.
3- المن:- وهو إطلاقهم بغير مقابل.
4- ضرب الرق. وغالبًا الرق أضعفها وبقية الخيارات أكثر فائدة للمسلمين منه.
وسع الله - تعالى - منافذ التخلص من الرق بالحث على العتق فقال – تعالى:- {فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [سورة البلد:13, 14]، وجعله بعض خصال الكفارة الكبرى، كمن قتل خطأ قال – تعالى:-{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [سورة النساء:92] أو أفطر عمدًا في رمضان أو ظاهر من زوجته قال - تعالى:- {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة المجادلة: 3], وبذلك انتهى أمر الرق بغير تحريم.