عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:- (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِى النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِى غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ:- اقْرَأْ . قَالَ:- مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ:- فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ:- اقْرَأْ. قُلْتُ:- مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ:- اقْرَأْ. فَقُلْتُ:- مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِى، فَقَالَ:- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضى الله عنها فَقَالَ:- زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى. فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْع، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ:- لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى. فَقَالَتْ خَدِيجَةُ:- كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِىَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ:- يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ:- لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِى مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا لَيْتَنِى فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِى أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ. قَالَ:- نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ وَفَتَرَ الْوَحْىُ).
(راوية الحديث):- هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين أفقه النساء مطلقًا وأفضل أزواج النبي - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا خديجة ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح.
قَوْله:- (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ) هِيَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ضِغْث. قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء:- إِنَّمَا اُبْتُدِئَ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرُّؤْيَا لِئَلَّا يَفْجَأهُ الْمَلَك وَيَأْتِيه صَرِيح النُّبُوَّة بَغْتَة فَلَا يَحْتَمِلهَا قُوَى الْبَشَرِيَّة فَبُدِئَ بِأَوَّلِ خِصَال النُّبُوَّة وَتَبَاشِير الْكَرَامَة مِنْ صِدْق الرُّؤْيَا وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر مِنْ رُؤْيَة الضَّوْء وَسَمَاع الصَّوْت وَسَلَام الْحَجَر وَالشَّجَر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ .
قَوْله:- (مِثْل فَلَق الصُّبْح) الْمُرَاد بِفَلَقِ الصُّبْح ضِيَاؤُهُ. وَخُصَّ بِالتَّشْبِيهِ لِظُهُورِهِ الْوَاضِح الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ.
قَوْله:- (حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ) الْخَلَاء بِالْمَدِّ الْخَلْوَة، وَالسِّرّ فِيهِ أَنَّ الْخَلْوَة فَرَاغ الْقَلْب لِمَا يَتَوَجَّه لَهُ. وَحِرَاء بِالْمَدِّ وَكَسْر أَوَّله:- هُوَ جَبَل مَعْرُوف بِمَكَّة. وَالْغَار نَقْب فِي الْجَبَل وَجَمْعه غِيرَان.
قَوْله:- (فَيَتَحَنَّث) بِمَعْنَى يَتَحَنَّف، أَيْ:- يَتَّبِع الْحَنِفِيَّة وَهِيَ دِين إِبْرَاهِيم.
قَوْله:- (وَهُوَ التَّعَبُّد) هَذَا مُدْرَج فِي الْخَبَر، وَهُوَ مِنْ تَفْسِير الزُّهْرِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ .
قَوْله:- (اللَّيَالِي ذَوَات الْعَدَد ) يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ يَتَحَنَّث، وَإِبْهَام الْعَدَد لِاخْتِلَافِهِ، كَذَا قِيلَ. وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُدَد الَّتِي يَتَخَلَّلهَا مَجِيئُهُ إِلَى أَهْله، وَإِلَّا فَأَصْل الْخَلْوَة قَدْ عُرِفَتْ مُدَّتهَا وَهِيَ شَهْر، وَذَلِكَ الشَّهْر كَانَ رَمَضَان رَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق. وَاللَّيَالِي مَنْصُوبَة عَلَى الظَّرْف، وَذَوَات مَنْصُوبَة أَيْضًا وَعَلَامَة النَّصْب فِيهِ كَسْر التَّاء. وَيَنْزِع بِكَسْرِ الزَّاي أَيْ يَرْجِع.
قَوْله:- (لِمِثْلِهَا) أَيْ اللَّيَالِي. وَالتَّزَوُّد اِسْتِصْحَاب الزَّاد.
قَوْله:- (حَتَّى جَاءَهُ الْحَقّ) أَيْ الْأَمْر الْحَقّ، وَسُمِّيَ حَقًّا لِأَنَّهُ وَحْي مِنْ اللَّه - تَعَالَى.
قَوْله:- (مَا أَنَا بِقَارِئ) أَيْ مَا أُحْسِنُ الْقِرَاءَة، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا قِيلَ لَهُ:- {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك} أَيْ لَا تَقْرَؤُهُ بِقُوَّتِك وَلَا بِمَعْرِفَتِك، لَكِنْ بِحَوْلِ رَبّك وَإِعَانَته، فَهُوَ يُعَلِّمك، كَمَا خَلَقَك وَكَمَا نَزَعَ عَنْك عَلَق الدَّم وَغَمْز الشَّيْطَان فِي الصِّغَر، وَعَلَّمَ أُمَّتك حَتَّى صَارَتْ تَكْتُب بِالْقَلَمِ بَعْد أَنْ كَانَتْ أُمِّيَّة.
فَإِنْ قِيلَ:- لِمَ كَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا؟ أَجَابَ أَبُو شَامَة بِأَنْ يُحْمَل قَوْله أَوَّلًا:- (مَا أَنَا بِقَارِئ) عَلَى الِامْتِنَاع، وَثَانِيًا عَلَى الْإِخْبَار بِالنَّفْيِ الْمَحْض، وَثَالِثًا عَلَى الِاسْتِفْهَام .
قَوْله:- (فَغَطَّنِي ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَطَاء مُهْمَلَة، وَمَعْنَاهُ عَصَرَنِي وَضَمَّنِي يُقَال:- غَطَّهُ، وَغَتَّهُ، وَضَغَطَهُ، وَعَسَرَهُ، وَخَنَقَهُ، وَغَمَزَهُ كُلّه بِمَعْنًى وَاحِد.
قَوْله:- (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد) يَجُوز فَتْح الْجِيم وَضَمّهَا لُغَتَانِ، وَهُوَ الْغَايَة وَالْمَشَقَّة. وَيَجُوز نَصْب الدَّال وَرَفْعهَا، فَعَلَى النَّصْب بَلَغَ جِبْرِيل مِنِّي الْجَهْد وَعَلَى الرَّفْع بَلَغَ الْجَهْد مِنِّي مَبْلَغه وَغَايَته.
قَالَ الْعُلَمَاء:- وَالْحِكْمَة فِي الْغَطّ شَغْله مِنْ الِالْتِفَات وَالْمُبَالَغَة فِي أَمْره بِإِحْضَارِ قَلْبه لِمَا يَقُولهُ لَهُ، وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا مُبَالَغَة فِي التَّنَبُّه، وفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَحْتَاط فِي تَنْبِيه الْمُتَعَلِّم وَأَمْره بِإِحْضَارِ قَلْبه وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَوْله:- (أَرْسَلَنِي) أَيْ أَطْلَقَنِي .
قَوْله:- (فَرَجَعَ بِهَا) أَيْ بِالْآيَاتِ أَوْ بِالْقِصَّةِ.
قَوْله:- (فَزَمَّلُوهُ) أَيْ لَفُّوهُ. وَالرَّوْع:- بِالْفَتْحِ الْفَزَع .
قَوْله:- (لَقَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي) دَلَّ هَذَا مَعَ قَوْله:- (يَرْجُف فُؤَاده) عَلَى اِنْفِعَال حَصَلَ لَهُ مِنْ مَجِيء الْمَلَك، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ:- (زَمِّلُونِي). وَالْخَشْيَة الْمَذْكُورَة اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهَا عَلَى اِثْنَيْ عَشَر قَوْلًا هي:-
- (أَوَّلهَا):- الْجُنُون وَأَنْ يَكُون مَا رَآهُ مِنْ جِنْس الْكَهَانَة، لَكِنْ حَمَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ قَبْل حُصُول الْعِلْم الضَّرُورِيّ لَهُ أَنَّ الَّذِي جَاءَهُ مَلَك وَأَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه - تَعَالَى.
- (ثَانِيهَا):- الْهَاجِس، وَهُوَ بَاطِل أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرّ وَهَذَا اِسْتَقَرَّ وَحَصَلَتْ بَيْنهمَا الْمُرَاجَعَة.
- (ثَالِثهَا):- الْمَوْت مِنْ شِدَّة الرُّعْب.
- (رَابِعهَا):- الْمَرَض، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ اِبْن أَبِي جَمْرَة.
- (خَامِسهَا):- دَوَام الْمَرَض.
- (سَادِسهَا):- الْعَجْز عَنْ حَمْل أَعْبَاء النُّبُوَّة.
- (سَابِعهَا):- الْعَجْز عَنْ النَّظَر إِلَى الْمَلَك مِنْ الرُّعْب.
- (ثَامِنهَا):- عَدَم الصَّبْر عَلَى أَذَى قَوْمه.
- (تَاسِعهَا):- أَنْ يَقْتُلُوهُ.
- (عَاشِرهَا):- مُفَارَقَة الْوَطَن.
- (حَادِيَ عَشَرهَا):- تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ.
- (ثَانِيَ عَشَرهَا):- تَعْيِيرهمْ إِيَّاهُ. وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ وَأَسْلَمهَا مِنْ الِارْتِيَاب الثَّالِث وَاَللَّذَانِ بَعْده، وَمَا عَدَاهَا فَهُوَ مُعْتَرَض. وَاَللَّه الْمُوَفِّق .
قَوْله:- ( فَقَالَتْ خَدِيجَة:- كَلَّا) مَعْنَاهَا النَّفْي وَالْإِبْعَاد، وَيَحْزُنك:- بِفَتْحِ أَوَّله وَالْحَاء الْمُهْمَلَة وَالزَّاي الْمَضْمُومَة وَالنُّون مِنْ الْحُزْن.
ثُمَّ اِسْتَدَلَّتْ عَلَى مَا أَقْسَمَتْ عَلَيْهِ مِنْ نَفْي ذَلِكَ أَبَدًا بِأَمْرٍ اِسْتِقْرَائِيّ وَصَفَتْهُ بِأُصُولِ مَكَارِم الْأَخْلَاق؛ لِأَنَّ الْإِحْسَان إِمَّا إِلَى الْأَقَارِب أَوْ إِلَى الْأَجَانِب، وَإِمَّا بِالْبَدَنِ أَوْ بِالْمَالِ، وَإِمَّا عَلَى مَنْ يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ أَوْ مَنْ لَا يَسْتَقِلّ، وَذَلِكَ كُلّه مَجْمُوع فِيمَا وَصَفَتْهُ بِهِ. وَالْكَلّ بِفَتْحِ الْكَاف:- هُوَ مَنْ لَا يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّه - تَعَالَى:- {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ}.
وَقَوْلهَا (وَتَكْسِب الْمَعْدُوم) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الصَّوَاب الْمُعْدِم بِلَا وَاو أَيْ الْفَقِير؛ لِأَنَّ الْمَعْدُوم لَا يَكْسِب.
قال ابن حجر:- وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُطْلَق عَلَى الْمُعْدِم الْمَعْدُوم لِكَوْنِهِ كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّت الَّذِي لَا تَصَرُّف لَهُ.
وَأَمَّا مَعْنَى (تَكْسِب الْمَعْدُوم) فَمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاهُ تُكْسِب غَيْرك الْمَال الْمَعْدُوم أَيْ تُعْطِيه إِيَّاهُ تَبَرُّعًا.
وَأَمَّا رِوَايَة الْفَتْح فَقِيلَ:- مَعْنَاهَا تَكْسِب الْمَال الْمَعْدُوم وَتُصِيب مِنْهُ مَا يَعْجِز غَيْرك عَنْ تَحْصِيله.
قَوْلهَا:- (وَتُعِين عَلَى نَوَائِب الْحَقّ ) النَّوَائِب:- جَمْع نَائِبَة وَهِيَ الْحَادِثَة، إِنَّمَا قَالَتْ نَوَائِب الْحَقّ؛ لِأَنَّ النَّائِبَة قَدْ تَكُون فِي الْخَيْر وَقَدْ تَكُون فِي الشَّرّ، وهِيَ كَلِمَة جَامِعَة لِأَفْرَادِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْله:- ( فَانْطَلَقَتْ بِهِ )أَيْ مَضَتْ مَعَهُ.
قَوْله:- (تَنَصَّرَ) أَيْ:- صَارَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ هُوَ وَزَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل لَمَّا كَرِهَا عِبَادَة الْأَوْثَان إِلَى الشَّام وَغَيْرهَا يَسْأَلُونَ عَنْ الدِّين، فَأَمَّا وَرَقَة فَأَعْجَبَهُ دِين النَّصْرَانِيَّة فَتَنَصَّرَ، وَكَانَ لَقِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الرُّهْبَان عَلَى دِين عِيسَى وَلَمْ يُبَدَّل، وَلِهَذَا أَخْبَرَ بِشَأْنِ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْبِشَارَة بِهِ، إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا أَفْسَدَهُ أَهْل التَّبْدِيل.
قَوْله:- (هَذَا النَّامُوس الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى) النَّامُوس:- صَاحِب السِّرّ. وقال بعضهم:- إنَّ النَّامُوس صَاحِب سِرّ الْخَيْر، وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ. وَالْأَوَّل الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور.
وَالْمُرَاد بِالنَّامُوسِ هُنَا جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام. وَقَوْله:- (عَلَى مُوسَى)، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى عِيسَى مَعَ كَوْنه نَصْرَانِيًّا؛ لِأَنَّ كِتَاب مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - مُشْتَمِل عَلَى أَكْثَر الْأَحْكَام، بِخِلَافِ عِيسَى. وَكَذَلِكَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَوْ لِأَنَّ مُوسَى بُعِثَ بِالنِّقْمَةِ عَلَى فِرْعَوْن وَمَنْ مَعَهُ، بِخِلَافِ عِيسَى. كَذَلِكَ وَقَعَتْ النِّقْمَة عَلَى يَد النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِرْعَوْن هَذِهِ الْأُمَّة وَهُوَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام وَمَنْ مَعَهُ بِبَدْرٍ. أَوْ قَالَهُ تَحْقِيقًا لِلرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّ نُزُول جِبْرِيل عَلَى مُوسَى مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْن أَهْل الْكِتَاب، بِخِلَافِ عِيسَى فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُود يُنْكِرُونَ نُبُوَّته.
قَوْله:- (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعا) يُعْنَى شَابًّا قَوِيًّا حَتَّى أُبَالِغ فِي نُصْرَتك، والْجَذَع - بِفَتْحِ الْجِيم وَالذَّال الْمُعْجَمَة - هُوَ الصَّغِير مِنْ الْبَهَائِم، كَأَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ يَكُون عِنْد ظُهُور الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام شَابًّا لِيَكُونَ أَمْكَنَ لِنَصْرِهِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّن سِرّ وَصْفه بِكَوْنِهِ كَانَ كَبِيرًا أَعْمَى.
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز تَمَنِّي الْمُسْتَحِيل إِذَا كَانَ فِي فِعْل خَيْر؛ لِأَنَّ وَرَقَة تَمَنَّى أَنْ يَعُود شَابًّا، وَهُوَ مُسْتَحِيل عَادَة. وَيَظْهَر لِي أَنَّ التَّمَنِّي لَيْسَ مَقْصُودًا عَلَى بَابه، بَلْ الْمُرَاد مِنْ هَذَا التَّنْبِيه عَلَى صِحَّة مَا أَخْبَرَهُ بِهِ، وَالتَّنْوِيه بِقُوَّةِ تَصْدِيقه فِيمَا يَجِيء بِهِ.
قَوْله:- (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ) بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الْيَاء وَفَتْحهَا جَمْع مُخْرِج، فَهُمْ مُبْتَدَأ مُؤَخَّر وَمُخْرِجِيَّ خَبَر مُقَدَّم، وَاسْتَبْعَدَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخْرِجُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَبَب يَقْتَضِي الْإِخْرَاج، لِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق الَّتِي تَقَدَّمَ مِنْ خَدِيجَة وَصْفهَا.
قَوْله:- (إِلَّا عُودِيَ ) ذَكَرَ وَرَقَة أَنَّ الْعِلَّة فِي ذَلِكَ مَجِيئُهُ لَهُمْ بِالِانْتِقَالِ عَنْ مَأْلُوفهمْ؛ وَلِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ الْكُتُب أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَلْزَمهُ لِذَلِكَ مُنَابَذَتهمْ وَمُعَانَدَتهمْ فَتَنْشَأ الْعَدَاوَة مِنْ ثَمَّ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُجِيب يُقِيم الدَّلِيل عَلَى مَا يُجِيب بِهِ إِذَا اِقْتَضَاهُ الْمَقَام.
قَوْله:- (مُؤَزَّرًا) بِهَمْزَةٍ أَيْ قَوِيًّا مَأْخُوذ مِنْ الْأَزْر وَهُوَ الْقُوَّة.
قَوْله:- (ثُمَّ لَمْ يَنْشَب) بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة أَيْ لَمْ يَلْبَث. وَأَصْل النُّشُوب التَّعَلُّق، أَيْ: لَمْ يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُور حَتَّى مَاتَ.
قَوْله:- (وَفَتَرَ الْوَحْي) فُتُور الْوَحْي:- عِبَارَة عَنْ تَأَخُّره مُدَّة مِنْ الزَّمَان، وَكَانَ ذَلِكَ لِيَذْهَب مَا كَانَ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَهُ مِنْ الرَّوْع، وَلِيَحْصُل لَهُ التَّشَوُّف إِلَى الْعَوْد.
قَوْله:- (فَرُعِبْت مِنْهُ) بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْر الْعَيْن، أَيْ فَزِعْت، دَلَّ عَلَى بَقِيَّة بَقِيَتْ مَعَهُ مِنْ الْفَزَع الْأَوَّل ثُمَّ زَالَتْ بِالتَّدْرِيجِ.
قوله:- {يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ} أَيْ حَذِّرْ مِنْ الْعَذَاب مَنْ لَمْ يُؤْمِن بِك {وَرَبّك فَكَبِّرْ} أَيْ عَظِّمْ، {وَثِيَابك فَطَهِّرْ} أَيْ مِنْ النَّجَاسَة، وَقِيلَ الثِّيَاب النَّفْس، وَتَطْهِيرهَا اِجْتِنَاب النَّقَائِص، وَالرُّجْز هُنَا الْأَوْثَان، وَالرُّجْز فِي اللُّغَة:- الْعَذَاب، وَسَمَّى الْأَوْثَان هُنَا رُجْزًا؛ لِأَنَّهَا سَبَبه.
قَوْله:- (فَحَمِيَ الْوَحْي) أَيْ جَاءَ كَثِيرًا، وَفِيهِ مُطَابَقَة لِتَعْبِيرِهِ عَنْ تَأَخُّره بِالْفُتُورِ، إِذْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى اِنْقِطَاع كُلِّيّ فَيُوصَف بِالضِّدِّ وَهُوَ الْبَرَد.
قَوْله:- (وَتَتَابَعَ) تَأْكِيد مَعْنَوِيّ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِحَمِيَ:- قَوِيَ، وَتَتَابَعَ:- تَكَاثَرَ.
يستفاد من الحديث - غير ما تقدم - اِسْتِحْبَاب تَأْنِيس مَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْر بِذِكْرِ تَيْسِيره عَلَيْهِ وَتَهْوِينه لَدَيْهِ، وَأَنَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْر اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُطْلِع عَلَيْهِ مَنْ يَثِق بِنَصِيحَتِهِ وَصِحَّة رَأْيه.
وفي الحديث:- تصريح من عائشة - رَضِيَ اللَّه تعالى عَنْهَا - تعالى بأن رؤيا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جملة أقسام الوحي وهو محل وفاق.
وفي الحديث:- فضيلة الْخَلْوَة فهِيَ شَأْن الصَّالِحِينَ، وَعِبَاد اللَّه الْعَارِفِينَ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه:- حُبِّبَتْ الْعُزْلَة إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ مَعَهَا فَرَاغ الْقَلْب، وَهِيَ مُعِينةٌ عَلَى التَّفَكُّر، وَبِهَا يَنْقَطِع عَنْ مَأْلُوفَات الْبَشَر، وَيَتَخَشَّع قَلْبه.
وَفِي الحديث:- مَدْح الْإِنْسَان فِي وَجْهه فِي بَعْض الْأَحْوَال لِمَصْلَحَةٍ ، وليس بمعارض لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:- (احْثُوا في وجُوه المدّاحِينَ التُّرابَ)، وإنما أراد بذلك إذا مدحوه بالباطل ، وبما ليس في الممدوح.
وَفِي الحديث:- تَأْنِيس مَنْ حَصَلَتْ لَهُ مَخَافَة مِنْ أَمْر وَتَبْشِيره، وَذِكْر أَسْبَاب السَّلَامَة لَهُ.
وَفِي الحديث:- أن القرآن لا يحفظه أحد، إلا بعون الله له على حفظه وتيسيره ، ويشهد لهذا قوله تعالى:- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 17].
وَفِي الحديث:- أَعْظَم دَلِيل وَأَبْلَغ حُجَّة عَلَى كَمَال خَدِيجَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا، وَجَزَالَة رَأْيهَا، وَقُوَّة نَفْسهَا، وَثَبَات قَلْبهَا، وَعِظَم فِقْههَا.
وَفِي الحديث:- مشروعية اتخاذ الزاد ولا ينافي التوكل فقد اتخذه سيد المتوكلين.
وَفِي الحديث:- الحض على التعليم ثلاثًا بما فيه مشقة.
وَفِي الحديث:- دليل للجمهور أن سورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}أول ما نزل، وقول من قال إن أول ما نزل:- {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} عملًا بالرواية الآتية في الباب فأنزل الله - تعالى:- {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} محمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي .
وَفِي الحديث:- أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع الشر والمكاره فمن كثر خيره حسنت عاقبته ورجى له سلامة الدين والدنيا.
وَفِي الحديث:- دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام.