قد يأتي الخبر على خلاف الأصل ليفيد أغراضًا أخرى بلاغية غير الغرضين الأصليين، وهذه الأغراض المستفادة لا يمكن حصرها، ويعتمد في استخراجها على سياق الكلام، والظروف التي ألقي فيها، ونورد نماذج من الأغراض البلاغية للخبر، وفي كل هذه الأخبار لا يعقل أن يكون المراد بها إفادة السامع الفائدة، ولا لازمها.
قال أحدهم:- إني أجد في كلام العرب حشوًا، فهم يقولون:- (عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم). ويكفي في الإخبار عن قيامه عبارة واحدة.
فقيل له:- العرب تقول:- (عبد الله قائم)، تخبر خالي الذهن عن قيامه، وتقول:- (إن عبد الله قائم), خطابًا لمن يشك في قيامه، وتقول:- (إن عبد الله لقائم), لمن ينكر قيامه. (تدبر ماقيل).
اقرأ ما يأتي من آيات الذكر الحكيم بعناية، وتأمل ما فوق الخط:-
قال - تعالى:- (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)[سورة يس: 13- 16].
- نلحظ أن لام التوكيد جاءت في الخبر الثاني (لمرسلون) والسر في ذلك أن تكذيبهم زاد في قولهم:- (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) فَزِيد التوكيد في الخبر تناسبًا مع حال المخاطب.
- ومثاله في كلام الناس أن تخبر عمن لا يعتقد نجاحه فتقول:- (إنه ناجح)، وحينما ينكر المخاطب هذا منك لاشتهار من تخبر عنه بالكسل، فتقول:- (والله إنه لناجح).
يختلف الخبر من حيث حاجته إلى التوكيد من عدمه إلى ثلاثة أضرب:-
1- خبر ابتدائي.
2- خبر طلبي.
3- خبر إنكاري.
وذلك إذا كان المخاطب خالي الذهن من الحكم، وهذا الضرب يخلو من التوكيد، ومثاله:- قول أبي تمام، وقد خلا الخبر من المؤكدات:-
يَنَالُ الْفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهُوَ جَاهِلُ وَيُكْدِي[1] الْفَتَى مِنْ دَهْرِهِ وَهُوَ عَالِمُ
وَلَوْ كَانَتِ الأرزاق تَجْرِي عَلَى الْحِجَا هَلَكْنَ[2] إِذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ
[1] يكدي:- يقلّ ماله.
[2] الحجا:- العقل.
وذلك إذا كان المخاطب مترددًا في الحكم، وحينئذ يحتاج الخبر إلى التأكيد بمؤكد أو مؤكدين.
ومثاله:- قول السري الرفاء:-
إٍنَّ الْبِنَاءَ إِذَا مَا انْهَدَّ جَانِبُهُ لَمْ يَأْمَنِ النَّاسُ أَنْ يَنْهَدَّ بَاقِيهِ
فقد جاء الخبر مؤكدًا بمؤكدين (إن) و(اسمية الجملة):-
وذلك إذا كان المخاطب مُنْكِرًا للحكم، وحينئذ يحتاج الخبر إلى التأكيد بأكثر من مؤكدين، ومثاله:- قول الله - تعالى:-(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ)[سورة آل عمران من الآية:186]، وقد أكد الخبر بعدة مؤكدات (اللام، وتأكيد الفعل بالنون، والقسم المحذوف).
لتوكيد الخبر أدوات كثيرة منها:- (إنّ، أنّ، والقسم، ولام الابتداء، ونونا التوكيد، وأحرف التنبيه، والحروف الزائدة، وقد، وأما الشرطية، واسمية الجملة بشرط أن تأتي معها أداة توكيد).
نتأمل هذين التعبيرين، ونوازن بينهما:- (سرني محمد ـ سرني الزمان) نلحظ أن:-
1- فاعل (سرَّ) في التعبير الأول (محمد) فإسناد الفعل إلى (محمد) إسناد حقيقي؛ لأنه يتأتى منه أن يفعل هذا الفعل، فلم يقع تجوز في الإسناد، فالإسناد حقيقي.
2- وفاعل(سرَّ) في التعبير الثاني (الزمان)، وهو لايتأتى منه أن يقوم بالفعل، فوقع بذلك تجوز في الإسناد، فيقال عنه إسناد مجازي.
فإذا حصل التجوز في الإسناد سُمِّيَ هذا التجوز (بالمجاز العقلي)، وسبب تسميته بالعقلي أن لحظ التجوز مرجعه العقل لا اللغة؛ فالتصرف فيه راجع إلى العقل.
بالطبع لا، ولكن لابد أن تكون هناك علاقة بين الفعل، وما أسند إليه، ومن ثم كان للمجاز العقلي عدة علاقات نذكر أشهرها:- (الفاعلية ـ المفعولية - الزمانية - المكانية).
قال - تعالى:ـ (وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) [سورة الإسراء:الآية 45], لو تاملنا ما تحته خط لوجدنا اسم المفعول (مستورًا) مسندًا إلى ضمير يعود إلى (حجابًا)، والحقيقة أن الحجاب يكون ساترًا, لايكون مستورًا، وإنما جاء القرآن الكريم على ذلك ليفيد المبالغة في الستر، فالفاعلية هي إسناد ما في معنى الفعل (مستورًا) إلى الفاعل (الضمير العائد إلى الحجاب) وبينهما علاقة هي أن الحجاب يفعل الستر، وفي ذلك إيجاز ومبالغة.
قال ـ تعالى:ـ (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)[سورة القارعة: آية 7] لو تأملنا ما فوق الخط سنجده اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر تقديره (هي) يعود إلى (عِيشَةٍ)، والعلاقة بينهما أن العيشة فاعلة الرضا مجازًا، والأصل أن يكون الإسناد اسم مفعول، فالأصل أن يقال:- (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، وفي ذلك إيجاز ومبالغة.
إسناد الفعل إلى زمانه من ذلك قول الشاعر:-
هِيَ الأُمُـورُ كَمَـا شَاهَدتُهـا دُوَلٌ مَـنْ سَـرَّهُ زَمَـن سَاءَتـهُ أَزمَـانُ
حينما نتأمل ما فوق الخط نجد الفاعل للفعل (سرَّ) كلمة (زمن)، والزمان لايتأتى منه أن يفعل السرور، فإسناد السرور إليه مجاز، والعلاقة الزمانية؛ لأن السرور يحدث في الزمان فهو وعاء للحدث، لا فاعل له، وفيه إيجاز ومبالغة.
إسناد الفعل إلى مكانه، من ذلك قول الشاعر:-
وَكُلُّ اِمرِئٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌ وَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ
حينما نتأمل ما فوق الخط نجد الفعل (ينبت) فاعله ضمير مستتر يعود على (مكان)، والمكان لايتأتى منه فعل وإنما هو مكان للحدث، فلهذه العلاقة جاز إسناد الفعل إلى مكانه مجازًا وفيه إيجاز ومبالغة.